حكايات الحداثة دائما ما كانت ممتلئة ببعض الغموض، ونزولا على رغبة “شهرزاد” يمكننا كشف الكثير من الحقائق التي تزيل هذا الالتباس وهذا الغموض لنضمن صفاء الحكايات. وستتناول الحكاية الأولى دور الفنان الفرنسي إدوارد مانيه -الدرامي للغاية- في تحديث الفن التشكيلي.
معنى الحداثة
الحداثة ومابعد الحداثة ومابعد ما بعد الحدثة – وكل ما بعد حداثة جديدة ستظهر- تدين كلها في جوهرها إلى كلمة الحداثة التي سطعت في نهاية القرن التاسع عشر، معلنة أخيرا عن تحريك سطح البحيرة الإنسانية الجامد تقريبا منذ مئات السنين.
الحداثة في جوهرها هي حركة متمازجة الاتجاهات منها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي بجانب ما اعتدنا على إلصاقه بالحداثة من أعمدة الثقافة والأدب والفن، ببساطة كانت الحداثة تعبيرا عن الحاجة لعالم جديد، يمكن القول أيضا بأنها نشأت نتيجة تحولات واسعة في المجتمع الغربي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، لكن الملحوظ أن هذا التغيير كان مرتبطا بالتطور التكنولوجي، كانت فكرة المعرفة ما زالت بعيدة، لكن التكنولوجيا والمجتمعات الأكاديمية كانت تمهد الطريق إليها، والحروب أيضا. كما كان النموذج الغربي السائد، وكانت لفظة التحديث تطلق في دول العالم كلها على النموذج الغربي الذي يجب أن يحتذي به الجميع، وكانت تلك أكبر أخطاء الحداثة وأول معاول هدمها بعد ذلك بعشرات السنوات.
عكست حركة الحداثة الرغبة في إنشاء أشكال جديدة من الفن والفلسفة والتنظيم الاجتماعي والتي بدورها عكست الروح الجديدة للعالم الصناعي الناشئ حديثًا، بما في ذلك قضايا مثل التحضر، والعمارة، والتقنيات الجديدة، وأخيرا الحروب.
اجعله جديدًا
لقد حاول الفنانون الابتعاد عن الأشكال الفنية التقليدية التي اعتبروها قديمة بالية أو عفا عليها الزمن. كان الأمر أو الشعار الذي أطلقه الشاعر عزرا باوند [1] إلى كل المبدعين عبر العالم في مقولته الشهيرة عام 1934 “اجعله جديدًا” هو حجر الزاوية في نهج الحركة الحداثية في العالم، على الرغم من أن بواكير الحداثة نفسها تعود إلى نهايات القرن التاسع عشر.
كما لا ينبغي أن يكون من الضروري المجادلة بأي شكل في أن شعار “اجعله جديدًا” هو الأكثر فائدة دائمًا من بين جميع التعبيرات الحداثية لقيمة الجدة التي تبلورت وتحققت فيه. من الجدير القول إن هذه الكلمات الثلاث تلخص معظم ما ترمز إليه الحداثة: “باختصار، اعتبر الحداثيون أمر عزرا باوند الشهير “اجعله جديدًا!”.. كأنه تقريبا “واجب مقدس.”، إن لم يكن واجبا مقدسا بالفعل.
دليل الحرفي
استخدم علماء بارزون في مجال النقد والابداع رغم أنهم مختلفون تمامًا عن بعضهم البعض، استخدموا هذه العبارة لتوضيح نقاط مختلفة حول الحياة الحديثة أو الفن أو الأدب، وقد تم استخدام شعار باوند غالبًا بعد ذلك دون إشارة محددة إليه. لكن ربما يكون هذا تكريمًا إضافيًا لتأثيره، حيث أصبح الشعار منتشرًا في كل مكان [2].
حتى وقت قريب، كانت كلمة “حديث” “Modern” تستخدم للتعبير بشكل عام عن “المعاصر”، كما يمكن القول أيضا بأن كل الفن كان “حديثا” في الوقت الذي ظهر فيه.
يقول الكاتب والمصور الإيطالي سينينو سينيني [3] في كتابه “دليل الحرفي” والذي كتبه في القرن الخامس عشر وفي إشارة منه لكلمة الحداثة، “كيف أن جيوتو صنع رسوما حديثة“. كما أشار جيورجيو فاساري في كتاب يعود للقرن السادس عشر إلى نفس المفهوم قائلا “إن كل فن في زمنه يعد فنا حديثا“.
مصطلح الحداثة “Modernism” يستخدم كإحالة للفن في الفترة الحديثة، وبشكل أكثر تحديدا يستخدم مصطلح “الحداثة” كإحالة لفلسفة الفن الحديث.
الحديث والحداثي
يمكن الادعاء بأنه في تاريخ الفن يستخدم مصطلح “حديث” “Modern” ليعني الفن الذي يقع في الفترة بين 1860 و1970 ويصف أسلوب وفكر الفن الذي تم إنتاجه خلال تلك الحقبة. وهذا ما يمكننا اعتباره تعريفا محددا يستخدم للتعبير عن “الحديث” وذلك عندما يتحدث الناس عن “الفن الحديث”. كما أن مصطلح “الحداثة Modernism” يستخدم كإحالة للفن في الفترة الحديثة، وبشكل أكثر تحديدا يستخدم مصطلح “الحداثة” كإحالة لفلسفة الفن الحديث.
في عام 1984 ألقت سوزي جابليك بسؤال ضخم وضعته عنوانا لكتابها “هل سقطت الحداثة؟”، فهل كانت تعني أن سقوط الحداثة ببساطة يعني وصول الحداثة لمحطة النهاية؟ أم كانت تعني أن الحداثة فشلت في إنجاز شيء ما؟ أم كان الافتراض من هذا السؤال الأخير أن الحداثة لها أهداف ما، وأنها فشلت في تحقيقها، وإذا كان الأمر كذلك فما هي هذه الأهداف؟
لأسباب سوف تتضح فيما بعد، فإن المناقشات حول الحداثة في الفن قد صيغت على نطاق واسع بمصطلحات شكلية وأسلوبية. فمؤرخو الفن، على سبيل المثال، اتجهوا لتناول التصوير الحديث، وقاموا بالتركيز على جودة الألوان، والشكل، والخطوط المنظمة والتعبيرية، وبمرور الوقت تعلق الأمر أكثر “بالتسطيح” و”تراجع الاهتمام بالموضوع الفني”.
من المتفق عليه وفقا للمراجع أن الحداثة ظهرت حوالي عام 1860 وأن المصور الفرنسي إدوارد مانيه هو أول فنان حداثي. فلوحته المسماة “غداء على العشب” ولوحته “أوليمبيا” بشرتا بحقبة الحداثة [4].
بداية الحداثة والفن
إن تاريخ الفن الحديث مشبع باللوحات التي غيرت الطريقة التي نتصور بها المجتمع، على سبيل المثال كسر الأشكال والموروثات وأنماط السلوك التي اعتدنا عليها. ومع ذلك، كان بعضهم جذريًا لوقتهم وحتى اليوم يسببون ضجة كبيرة. النموذج المثالي لمثل هذه التحفة المحفورة هو لوحة غداء على العشب أو مائدة على العشب Le Déjeuner Sur L’Herbe أو The Luncheon on the Grass by édouard Manet.
تسببت اللوحة في صدمة كبيرة بعد عرضها لأول مرة واعتبرت غير لائقة ومبتذلة، على الرغم من أن كتاب ونقاد الفن المعاصرين له دافعوا عن العمل.
في الواقع، كانت اللوحة في نظر البعض عملا شائنًا جدًا تضرب على وتر التوتر الجنسي والتفاعل الغريب معه، أو بالأحرى عدم وجوده، بين الموضوعات الرئيسية الثلاثة في مقدمة اللوحة واللون الأبيض في الخلفية. تبدو الأنثى عارية بعيدة ويتم عزلها بطريقة أو بأخرى عن شخصين من الذكور. هناك العديد من التناقضات الموجودة على اللوحة – المؤنث ضد مبدأ المذكر، واللوحة الملبوسة، واللون الأبيض مقابل لوحة الألوان الداكنة. ومع ذلك، فإن الفرق الرئيسي بين الرجال والنساء يبدو جليا في عزلتهم عن بعضهم بشكل أو بآخر.
ثمة سؤال جوهري يبرز هنا أيضا هو: لماذا رسم مانيه غداء على العشب وأوليمبيا؟ إن الإجابة المباشرة هنا تتعلق باهتمامه باكتشاف موضوع جديد وقيم جديدة للتصوير، بالإضافة إلى إيجاد علاقات مكانية جديدة متعلقة أيضا بالتصوير.
لماذا؟
لكن كان هناك سؤال أكثر أهمية بالإضافة للسؤال السابق: لماذا كان مانيه مهتما باكتشاف موضوع جديد للتصوير، وقيم جديدة للتصوير، وعلاقات مكانية جديدة؟ لقد أنتج تصاوير حداثية، ولكن لماذا رسم هذه الأعمال؟
عندما عرضت “غداء على العشب” في صالة عرض رفيوزيه عام 1863، أصيب العديد من المشاهدين بالهلع ليس فقط بسبب موضوع اللوحة، والذي يبين رجلين في ملابس عصرية يجلسان كيفما اتفق على الحشائش في الغابة مع امرأة عارية، ولكن أيضا بسبب جلوسهم بطريقة غير اعتيادية كأن لا شيء يحدث. وبمعنى آخر المرأة شبه معزولة في اللوحة عن الرجلين، وإذا بحثنا قليلا سنعرف الكثير من الحقائق حول طريقة رسم هذه اللوحة، فاللوحة مكررة بنفس الاسم من قبل (1963)، فقد رسم كلود مونيه (1966) لوحة بهذا الاسم وكانت لوحة عادية وان كانت تنتمي للمدرسة التأثيرية أو الانطباعية ككل أعمال مونيه أحد رواد هذه المدرسة وكان ذلك مقصودا للسخرية من لوحة مانيه، لكن ويا للقدر لم يحدث ذلك [5].
بعد عامين من ذلك أصيب الجمهور بصدمة أخرى بسبب لوحة “أوليمبيا” والتي تظهر إمرأة عارية تحدق في المشاهد برباطة جأش وبشكل أخلاقي (الأخلاقية هنا تعني عكس ما قد يتبادر إلى الذهن)، وقد رسمت بشكل سريع، لم يهتم فيها مانيه بالتفاصيل واقتفاء أثر الأساليب الأكاديمية. لماذا إذن كان مانيه مصرا على رسم صور يعلم جيدا بأنها ستثير حنق المشاهدين؟
ببساطة متناهية يمكن القول بأنه كان يحاول الإجابة على أسئلة مثل هذه كي يجبرنا على تبني منظور أوسع بكثير في قضية الحداثة.
ومن ضمن هذا السياق الأوسع نتمكن من اكتشاف الأسس التي تقوم عليها فلسفة الحداثة وتحديد أهدافها وأغراضها. كما أنها ستكشف أيضا عن الأبعاد الأخرى لهذا الإدراك للفن وتعريف فنان العالم الحديث.
ولا أروع
أضفت لي زخم فني يادكتور زين
تسلمي ا. اليس . شكرا جزيلا