يحمل عنوان الرواية الأولى للكاتبة جنة عادل دلالةً على مكانين متباعدين: «القاهرة» و«نويبع»، غير أن المسافة بينهما نفسية ووجدانية أكثر منها جغرافية. تحضر القاهرة -بوصفها المدينة الصاخبة ومركز التحولات- في نسيج النص من واقع نشأة الكاتبة فيها، إذ تستعيد انتمائها لها قائلة: “أنا قاهرية الميلاد والنشأة والعيش”. أما نويبع، فتلك البقعة الهادئة التي عرفتها عن قرب عبر إقامات متكررة، مما منحها درايةً عميقة بتفاصيل الحياة اليومية هناك، لتعبر عن ذلك بقولها:
“كانت لدي فكرة واضحة عن إيقاع الحياة هناك”.

لكن الجغرافيا في الرواية ليست سوى مدخلٍ لأسئلةٍ إنسانية أعمق؛ إذ تبحث الكاتبة في كيفية رؤية المرء لذاته بعد مضي السنوات، وهي الفكرة التي طالما أرّقتها وتصفها بـ “الهوس الفكري الذي تسلل إليّ”. ومن هذا المنطلق، قامت الرواية على تقنية تعدد الأصوات؛ حيث تتجلى النسخة الأصغر من الشخصية عبر خطابات ورسائل، بينما يكشف السرد عن نظرة النسخة الأكبر وهي تتأمل ماضيها. وتوضح الكاتبة أن أكثر ما شغل بالها هو:
“كيف لِذات الشخص أن ينظر إلى نسخةٍ أصغر منه بخمسٍ أو عشرِ سنوات، فيشعر أنها غريبةٌ عنه تماماً؟”.
وجاء وصول الرواية إلى القائمة القصيرة لجائزة نجيب محفوظ ليمنح هذه التجربة الأولى أفقاً غير متوقع، لا سيما وأن اسم صاحب «الثلاثية» يقبع في ذاكرة الكاتبة منذ صباها الأول. وعن لحظة إعلان الترشح ومشاعر الدهشة التي اعتترتها، تقول: “في الحقيقة انتابتني الصدمة.. وتساءلت هل انقلب العالم حقاً؟”. فقد كان نجيب محفوظ رمزاً أثيراً طمحت للدنّو من عالمه منذ طفولتها، حين كانت تردد بعفوية:
“أريد حين أكبر أن أكون مثل هذا الرجل”.
ومع ذلك، لا ترى جنة عادل أن هذا التقدير قد غيّر من جوهر رؤيتها للكتابة بوصفها خياراً وشغفاً أصيلاً، بل تتمنى أن يشكل هذا الاعتراف المبكر حافزاً لمزيد من الإخلاص لمشروعها الأدبي، قائلة:
“أتمنى أن أكون أكثر التزاماً تجاه هذا الفعل الذي أحبه”.
وبذلك تبدو «القاهرة نويبع» محصلة ناضجة لمسارٍ بدأ بالتدوين ومر بالترجمة والتحرير، لتختتم الكاتبة حديثها بأمنية يملؤها الشغف:
“أتمنى أن تأخذني الكتابة كلياً من الترجمة”.
شهرزاد

