كثيرة هي النوادر التي تُحكى عن هذا الملك. لكن قصته مع الآلهة تقدم دليلًا آخر على أريحيته، وعلى أنه “ابن بلد” حقيقي، يؤمن بالملموس ولا تُخيل عليه الحيل.
فكان أمازيس قبل أن يصير ملكًا عربيدًا يعشق الشراب وحياة اللهو، ولا طاقة له على العمل والنشاط. وكان كلما ضيقت عليه الدنيا بسبب إفراطه هذا، لجأ إلى السرقة والسطو على ممتلكات غيره. وكان ضحاياه، عندما يمسكون به، يقودونه إلى معبد الناحية التي ارتكب فيها سرقته؛ لإثبات براءته أو إدانته. فلما صار ملكًا، أغفل معابد الآلهة التي برأته من السرقة ولم يخرج شيئًا لإصلاحها ولم يزرها أو يضحِّ لها؛ فهي في نظره لم تكن جديرة بالاحترام إذ كانت نبوءاتها كاذبة. أما الآلهة التي أدانته فقد اهتم بها كل الاهتمام، باعتبارها آلهة لا ريب فيها وأنها تنطق بنبوءات صادقة.
ولا ينسى المؤرخون أن يحدثونا عن قصته مع لاديكي. كانت علاقة مصر باليونان علاقة قدرية يصعب فصمها. وكان الملك يرى أن مصاهرة اليونانيين يمكن أن تكون من أسباب تقوية تلك العلاقات. وبالفعل اختار أحمس فتاة يونانية من بنات النبلاء هي “لاديكي” زوجة له.
لكن هذا الملك الذي كان زئر نساء، أصابه ما يحدث كثيرًا للأزواج عديمي الخبرة في ليلة زفافهم — فشل الملك مع عروسه الشابة في الليلة الأولى! وكرر المحاولة أكثر من مرة دون جدوى. فلما طال الأمر، قرر أن يواجه امرأته بما اعتقده سببًا لفشله المفاجئ. صرخ في وجهها قائلًا:
“أيتها المرأة، لقد استخدمتِ ضدي وسائل السحر، ولا مفر من أن تموتي شر ميتة — ميتة لم تلقَ مثلها امرأة من قبل!”
فاحتجت لاديكي ونفت التهمة عن نفسها، وتوسلت إليه أن يصدقها. لكن ذلك لم يجدِ مع أحمس.
انفردت لاديكي بنفسها. أغلقت باب حجرتها وظلت تفكر طوال الليل عن حلّ لهذا المأزق الذي لم تكن مسؤولة عنه. ومن بين دموعها، صلت وتوسلت للآلهة كي تنقذها من ورطتها. ونذرت للإلهة أفروديت تمثالًا مهيبًا إن أفلح زوجها المرة القادمة وأفلتت مما توعدها به. ويبدو أن أفروديت قد استجابت لدموعها، إذ انحلت عقدة الملك، بل وصارت لاديكي من أقرب زوجاته إلى قلبه. وبالفعل، أوفت بنذرها فأرسلت إلى أفروديت بتمثال كبير، وُضع بمدينة كوريني.
في عام 525 ق.م، رحل أحمس الثاني عن الدنيا، بعد أن حمل تاج مصر قرابة أربعة وأربعين عامًا، نعمت خلالها البلاد بالأمن والاستقرار والرخاء. ولم يمضِ ستة أشهر على وفاته حتى اجتاح الفرس — بقيادة قمبيز — أرضَ مصر وأطاحوا بابنه ابسماتيك الثاني، بعد هزيمة الجيش المصري في تل الفرما وسقوط منف نتيجة خيانة قادة المرتزقة الأجانب — لينتهي بذلك حكم الأسرة السادسة والعشرين.
شهرزاد