عندما حاول الأشرار التخلص من إسماعيل ياسين بإدخاله البوليس الحربي ليجبروا زوجته في الفيلم فريدة فهمي على أن ترقص في الكباريه؛ لم أكره الأشرار، بل تضايقت من إسماعيل ياسين الذي يريد أن يحبس فريدة في المطبخ لتخدمه هو وابنه الشقي ياسين، ويحرمني من رؤية رقصة جديدة لها أعيد تنفيذها معها بين الحقول.

كممثلة؛ كان دورها باهتًا في فيلم “جميلة”، قامت بدور الراقصة الفرنسية (سيمون) التي تساعد الثوار الجزائريين، لكنني شعرت بالغيرة عليها من صلاح ذو الفقار الذي كانت تفعل ذلك من أجله، وحرص عقلي على أن ينسى هذا الدور، أما دورها في فيلم “الأخ الكبير” فلم يكن أقل بَهَتانًا؛ ولم تلمع كممثلة في فيلم “حرامي الورقة” أيضًا، والأفلام الأخرى التي شاركت فيها مثل “أسياد وعبيد”، و”ساحر النساء”، و”فتى أحلامي”، و”غريبة”، كانت تقوم فيها بالرقص فقط إضافة إلى جملتين أو ثلاث في بعض الأحيان. وهذا أسعدني، فلا أريد أن أذكرها إلا وهي ترقص.

في البداية كنت أغار من محمود رضا، لكنني عندما عرفت أنه أخو زوجها، وزوج أختها نديدة فهمي، وأن زوجها هو مخرج الفيلم، شعرت بالراحة، فمحمود رضا ليس غريمًا لي، وأخوه علي رضا يقف بعيدًا خلف الكاميرا، ولن يضايقه أن أراقص فريدة مراقصة روحية يصبح الجسد فيها سفينة تمخر عباب المعاني، أو جسرًا تمر عليه المشاعر السامية إلى آفاق غير محدودة.
وقتها كنت أكتب الشعر بكثرة، وأعرف معنى أن تخطر فكرة ببالك، وتتحول الفكرة إلى كلمات، والكلمات إلى جُمل، فيصبح المعنى ملموسًا. لكنني لم أستطع فك شفرات ذلك الإلهام الذي يوحي برقصة، كيف يتخيل مصمم الرقصات حركة الجسد، وكيف يعطي لهذه الحركة معنى؟! لم أفهم إلا بعد وقت طويل؛ عندما قرأت مذكرات محمود رضا، وعرفت أن المسألة ليست إلهامًا بالمعنى الرومانسي، إنه عمل وفكر وجهد دؤوب، لقد جاب محمود رضا مصر شرقًا وغربًا يتعرف إلى رقصاتها، ثم يستفيد منها في تصميم رقصاته، لتعبر عن روح شعب وعن إنسان عصري، كما كانت فريدة فهمي مثقفة فنيًا وليست مجرد موهبة فطرية، وهو ما منحها تلك القدرة على فهم الجسد وتطويعه ليعبَّر بأبلغ المعاني، وليعْبر بالروح إلى سموها المنشود.

وهي ليست مثل الراقصات اللاتي احترفن الرقص لأنهن لم يكن أمامهن خيار آخر، فهي ابنة د. حسن فهمي أستاذ هندسة ميكانيكية في كلية الهندسة، جامعة القاهرة، ووالدتها سيدة إنجليزية أسلمت واتخذت اسم “خديجة”، وحصلت فريدة على ليسانس الآداب قسم اللغة الإنجليزية، والدكتوراه في الرقص الإيقاعي من الولايات المتحدة الأمريكية، وشاركت مع زوجها وأخيه في تأسيس فرقة رضا التي كانت فرقة عائلية بامتياز، وكما يقول طارق الشناوي:
“كان هناك اقتراح من الشقيقين على ومحمود أن يطلقا على الفرقة اسم “فرقة رضا وفهمي للفنون الشعبية”، ولكن حسن فهمى وجد أن اسم “رضا” يكفي”.
شاركتْ في تصميم الأزياء في عدة أفلام، وهي الموهبة التي ورثتها عن أمها التي قامت بتنفيذ ملابس فرقة رضا في بدايتها. وكانت فريدة من الذكاء بحيث تعتزل الرقص وهي في الثالثة والأربعين من عمرها، لتظل صورتها الأسطورية في ذهني دون تغيير.
ربما لا يطاوعني جسدي الآن إذا فكرت أن أجرب نفس الحركات التي كنت أقوم بها صغيرًا متمثلًا محمود رضا، لكنني لا أزال أشعر بالفرحة ذاتها، وبالسمو ذاته، عندما يستعيد خيالي تلك اللحظات، وتستعيد أذني تصفيق الطلاب والمدرسين وأولياء الأمور لي في نهاية الأوبريت، وأنا أحييهم مع زميلتي سهير التي لم أنتبه إليها إلا في النهاية، فطوال الوقت كانت ترقص معي فريدة فهمي.
شهرزاد