حين تمتد رواية عبر خمسة قرون من التاريخ المصري، وتحديدًا في الريف العامر بالحكايات، فإن السؤال الأول الذي يفرض نفسه لا يتعلق بالأحداث بقدر ما يتعلق بقُدرة الكاتب على الإمساك بخيوط الزمن المترامي والأجيال المتعاقبة، دون أن يتفكك العمل أو يغرق في تفاصيله.
وفي مواجهة هذا التشتت البنائي، يرى الدكتور عمار علي حسن أنه لا يمكن ضبط إيقاع عمل كهذا إلا بمسارين: إما مراجعة ما كُتب سابقًا بانتظام لتفادي الفجوات والتناقضات، أو الاحتشاد التام للعمل ليتدفق كالسيل المنهمر؛ وهو ما اختاره الكاتب ليتجاوز هذا التحدي في روايته “ملحمة المطاريد” التي كُتبت في غضون ستة أشهر.
وقد مكنت الدراسة الأكاديمية للاجتماع السياسي صاحب الرواية من الحفاظ على تماسك هذا المعمار الروائي الضخم، لاسيما في رؤيته للفرد داخل سياقه الاجتماعي، ورصد انعكاسات أداء السلطة على التفاصيل الصغيرة التي تمثل قماش العمل الأدبي.
فالرواية هنا تتجلى كمحاولة عميقة لفهم الذات والمجتمع، ورغم أنها لا تستند إلى وقائع تاريخية مباشرة بقدر ما تعتمد على عالم متخيل من الألف إلى الياء، إلا أن التاريخ ظل حاضرًا في الخلفية البعيدة كأحد عناصر السرد الشاهدة على صراعات الحياة والموت والمعاناة.
الكاتب والروائي المصري عمار علي حسن
وفي العمل الصادر عن “الدار المصرية اللبنانية” في نحو 900 صفحة، تتبدى حكاية فلاحي مصر في مواجهة ثلاثية: فيضان النيل، والذات، والسلطة؛ وكيف تركت تلك العناصر أثرها العميق في تفاصيل الحياة البسيطة للفلاح في صعيد مصر.
ومن هذا المنطلق، لم يكن هدف عمار تدوين تاريخ رسمي أو تقديم أمثولة على وقائع أزمنة بعينها، بل انصب اهتمامه بالكامل على سرد حيوات البسطاء والمهمشين الذين صنعوا التاريخ الحقيقي بعيدًا عن أروقة السُلطة؛ إذ يقول :
“إنني معني بحياة بسطاء المصريين.. ولم أكن أعني بالضرورة بفكرة محددة أريد إيصالها، وإن كان التاريخ والأفكار قد جاءا عبر السرد متواريين خلف الحدث الفني المتخيل”.
هكذا، يدفع عمار بالفلاحين والمهمشين إلى قلب الحكاية بوصفهم الامتداد الحي والمتواصل للبلاد، وأولئك الذين اتخذوا من الحيلة وسيلة للمقاومة والبقاء على قيد الحياة. ومن هنا اعتنى الكاتب بوصف الأحوال الاجتماعية والطبيعية في الريف المصري، وتتبع التحولات النفسية للشخصيات وقدرتها على إعادة تشكيل مصائرها في اللحظات الفاصلة رغبةً في الحفاظ على الهوية والذاكرة. وهو في ذلك يوضح ملمحاً نقدياً مهماً :
“الرواية التاريخية ليست تسجيلًا تامًا للأحداث البعيدة، وإن كانت النقلات التاريخية في عمل يمتد لخمسة قرون تحضر سريعاً فقط لنعرف السياق الزمني للأحداث المتتابعة”.
ليصل بنا السرد في النهاية إلى فلسفة التسمية ذاتها؛ حيث يؤكد عمار أن “المطارد” في معجمه الروائي هو الإنسان المصري ذاته، الذي ظل عبر الزمن مطرودًا من مساحات التحقق والحرية والكفاية، بفعل قهر سياسي، وأنماط اقتصادية ـ خصوصًا في قطاع الزراعة -حكمت على الأغلبية الكاسحة بالعيش والارتحال على الهامش.
انتظروا الجزء الثاني من هذه المقابلة مع الكاتب والروائي عمار علي حسن حول “ملحمة المطاريد”.. حيث نستكمل الحديث عن “المطاريد الثلاثة”، وجغرافية الصعيد، وكيف حضر (فن الواو) التراثي كذاكرة للرواية.