أحدث الحكايا

من مطابخ الأسواق لـ«الدليفري».. كيف طهت المدن قديماً طعامها؟

تبدو المطابخ التي تقدم الوجبات المنزلية الجاهزة لتلائم إيقاع حياتنا السريع وكأنها وليدة اليوم، غير أن المتأمل في تاريخ العمران الإسلامي يدرك أن مصر والمدن الكبرى عرفت هذه الممارسة منذ قرون؛ إذ خلت غالبية البيوت قديماً من وجود مطابخ خاصة، يمارس فيها السكان إعداد طعامهم، مما جعل الأفران والمطابخ العامة جزءاً أصيلاً من النسيج اليومي للمدينة.

 

ومع اتساع الحواضر الكبرى كبغداد والقاهرة وتزايد أعداد سكانها، غدا الطهي مهنة قائمة بذاتها خارج جدران المنازل التي لم تكن تمتلك مطابخ إلا لدى الأثرياء والحكام؛ فكان الناس يحملون ما لديهم من حبوب ولحوم وخضراوات إلى تلك الأسواق ليطهوها لهم طهاة محترفون مقابل أجر معلوم. وهو تحول امتدت جذوره ـ كما يورد ياسر ثابت في كتابه “ثورة المائدة” ـ إلى التكايا ومؤسسات الأوقاف التي لم تكتفِ بتقديم الطعام مجاناً، بل فتحت أبوابها ومواقدها وقدرها لمن يرغب في إعداد أطعمة بعينها تحت إشراف طهاتها.

 

هذا الازدهار لمهنة الطهي، الذي أخذ بالتفتح منذ العصر العباسي مع تنوع السكان وشغفهم بتذوق الأطعمة المختلفة، تجلى في أبهى صوره في مصر الفاطمية والمملوكية؛ حيث يرسم المقريزي في “الخطط” صورة حية لأسواق القاهرة العامرة بطهاتها ومطابخها التي أضحت مقصداً للتجار والطلاب والمارة ممن تفتقر بيوتهم لمواقد خاصة، فضلاً عما وثقه في “اتعاظ الحنفا” عن المطابخ السلطانية والموائد العامة التي كانت تُمد في الأعياد والمناسبات، لتتواصل تلك الخدمات عبر العصر العثماني من خلال مطابخ الأسواق وأوقاف التكايا التي أطعمت أبناء السبيل والفقراء.

 

تكشف لنا كتب التاريخ والحسبة أن لجوء الناس إلى المطابخ العامة لم يكن مجرد تدبير طارئ لإعداد الطعام، بل كان نمط حياة عريقاً، ارتبط بتطور المدن وتمايز طبقاتها، ليعكس كيف كان الطهي صناعة مجتمعية حية عبر العصور.

 

 

 

عن هاني سمير

الكاتب هاني سمير كاتب وصحفي مصري، يركز مشروعه على تبسيط الأدب وتقريب التراث العربي للقارئ المعاصر. شق طريقه من خلال تجارب صحفية مهمة في جريدة "الشروق" ومنصة "أراجيك"، إلى جانب إسهاماته في منصات عربية وأجنبية متعددة مثل "إضاءات" و"رصيف 22". في رصيده الإبداعي مجموعة قصصية بعنوان "حياة قصيرة"، ويعمل حالياً على تعميق دراسته برواق العلوم الشرعية والعربية في الأزهر الشريف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *