أحدث الحكايا

من وراء المشربية.. إدوارد لين يكشف عن”الحرية الخفية” للمرأة المصرية

كتب: هاني سمير

إذا كانت المخيلة الغربية قد نسجت صورة المرأة الشرقية باعتبارها كائناً أسطورياً يعيش في عالم من السحر والفتنة مستوحى من مناخات “ألف ليلة وليلة”، فإن المستشرق الإنجليزي إدوارد وليم لين فضّل أن ينظر إلى هذا العالم من واقع الحياة اليومية لا من مرايا الخيال. فمن خلال معايشة وثيقة للمجتمع المصري في النصف الأول من القرن التاسع عشر، استطاع تكوين رؤية أكثر عمقاً واتزاناً للمرأة المصرية، متجاوزاً القوالب النمطية التي هيمنت على الكتابات الاستشراقية، ليعيد رسم ملامح حضورها الاجتماعي والإنساني في سياقه الواقعي.

تلك التجربة الحية عادت إلى الواجهة خلال مناقشة كتابه “عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم”، والتي نظمها “نادي السيرة للكتاب” ـ إحدى مبادرات منصة “سيرة القاهرة” ـ في متحف نجيب محفوظ. وخلال الندوة، استعرض مؤسس النادي الباحث عبد العظيم فهمي رحلة “لين” إلى مصر، والتي امتدت عبر ثلاث زيارات بين عامي 1825 و1849م؛ موضحاً أن “لين” لم يكتفِ بالمراقبة عن بُعد، بل انغمس في تفاصيل الشارع، وجعل من معايشته الميدانية منهجاً راسخاً لفهم نسيج المجتمع.

 

 

الباحث عبد العظيم فهمي

 

ولما كان من الصعب على “لين” النفاذ إلى العوالم النسائية المحافظة آنذاك، فقد استعان بشقيقته “صوفيا لين” التي رافقته في زيارته الثانية؛ فكانت هي بوابته البديلة إلى بيوت النخبة وحريمها، ونقلت إليه تفاصيل الحشمة، والملبس، والزينة، وصولاً إلى أدق تفاصيل الحياة اليومية واللغة الدارجة المتداولة داخل البيت المصري.

وتتجلى قيمة ملاحظات “لين” في موضوعيتها؛ إذ رصد مفارقة اجتماعية مدهشة تمثلت في أن المرأة في الطبقات الفقيرة والشعبية كانت تتمتع بهامش من الحرية والقدرة على تجاوز القيود يفوق ما يُمنح لنساء الطبقات المتوسطة والعليا، اللواتي عشن أسيرات المشربيات والأسوار العالية والأبواب المغلقة. وبناءً على ذلك، رسم “لين” صورة حية للمرأة في الفضاء العام؛ بائعةً في السوق أو صاحبة حرفة، تتعامل مع الرجال ببساطة وتلقائية فرضها طلب الرزق.

 

 

المرأة المصرية في بداية القرن التاسع عشر

 

ولم تخلُ نظرة المستشرق الإنجليزي من بُعد جمالي وإنساني يمتزج بواقعية شديدة؛ فقد رأى المرأة المصرية في شبابها من أجمل النساء، لكنه رصد بأسى كيف تنال منها مشاق الحياة في سن مبكرة، ولا سيما المرأة الريفية التي تتقاسم مع زوجها كفاح الزراعة والعمل في الحقول تحت أشعة الشمس؛ فجاء وصفه للجمال ممزوجاً بملامح الشقاء اليومي، كاشفاً عن سيرة المرأة الصابرة التي تحفظ للحياة توازنها.

هكذا استطاع “لين”، من خلال رصده لما خلف المشربية ـ التي تُعد في الوعي الغربي رمزاً للعزلة والحرملك ـ أن يقدم للقارئ الأوروبي صورة مغايرة؛ فخلف الخشب المعشق لم تكن تعيش امرأة مستسلمة، بل امرأة قوية تدير عالمها بذكاء وتمارس دورها الاجتماعي والإنساني بقوة، على الضد من الصورة الراسخة في مخيلة الرحالة العابرين.

 

 

عن شهرزاد

المحرر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *