أحدث الحكايا

طلال فيصل: «جنون مصري قديم» محاولة لفهم جنون السلطة عبر التاريخ (الجزء الثاني)

حين يتقاطع قلم الروائي مع وثائق التاريخ، يرجّح فيصل كفة الفن؛ فهو يتمسك بـ «الصدق الفني أكثر من الدقة التاريخية»، شريطة ألا يخون هذا الخيال «روح الزمن والحقيقة الإنسانية للشخصيات».
ومن هذا المنطلق، يرفض تحويل الشخصيات التاريخية إلى مجرد «تمثال» يفقدها إنسانيتها وتناقضاتها وضعفها، منتقداً ثقافة التقديس التي عطلت حرية التفكير، ومؤكداً أن هدفه هو إعادة الشخصية إلى «منطقة الشك والأسئلة» لنراها بشراً مرة أخرى.
هذا الهاجس بالتشكيك في اليقين يمتد ليشمل ثيمة «الجنون» في الرواية، حيث شغلته فكرة جنون السلطة حين يتحول إلى «طريقة لإدارة المجتمع كله»، مخلفاً وراءه «إفلاساً روحياً» عندما يصبح خلل السلطة واقعاً يومياً يتكيف معه الجميع.


تلك الرؤية التي تعمقت عبر عيادة الطبيب وخبرته، تطلّ واضحة في دهشته أمام نموذج «حاكم تحيط الشكوك بسلامة عقله، ومع ذلك يستقر حكمه وتستمر الدولة من حوله»، ليكشف لنا أن «كلّاً يفقد عقله بطريقته»، وأن الاحتفاظ بالعقل في عالمنا صار «إنجازاً في حد ذاته»، وهو ما يعكسه بطل روايته الذي «لا يزال سليم العقل».
تنعكس هذه الفلسفة أيضاً على صياغة الشخوص عمومًا، فالأدب بنظره «يصير أدبًا حين تتجاوز الشخصية حدود حالتها الفردية، وتصبح قادرة على التعبير عن نموذج إنساني أو اجتماعي أوسع»، بعيداً عن أن يكون الفرد «جزيرة منفصلة» عن مجتمعه.
ورغم هذا الانشغال بقضايا الأدب والمجتمع، تبقى علاقة فيصل بنجيب محفوظ حية ودافئة؛ فمحفوظ بالنسبة إليه «فعل تقريبًا كل شيء على مستوى النص»، ويمتد إعجابه إلى إنسانه بما يمثله من «الدأب والصدق والجدية والاستمرار في العمل لعقود»، ليبقى المعلم والمرجع في معنى أن تكون كاتباً.
تتواصل هذه الرحلة الفكرية لتكشف في نهايتها عن ملامح روايته المقبلة «القارئ العادي»، التي تطرح تساؤلاً جريئاً عما إذا كانت هموم المثقف تتحول أحيانًا إلى «هموم مترفة ومفتعلة» مقارنة بهموم المجتمع، تاركًا السؤال مفتوحًا حول انفصال الكاتب عن واقعه.

 

 

عن هاني سمير

الكاتب هاني سمير كاتب وصحفي مصري، يركز مشروعه على تبسيط الأدب وتقريب التراث العربي للقارئ المعاصر. شق طريقه من خلال تجارب صحفية مهمة في جريدة "الشروق" ومنصة "أراجيك"، إلى جانب إسهاماته في منصات عربية وأجنبية متعددة مثل "إضاءات" و"رصيف 22". في رصيده الإبداعي مجموعة قصصية بعنوان "حياة قصيرة"، ويعمل حالياً على تعميق دراسته برواق العلوم الشرعية والعربية في الأزهر الشريف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *