التقى الجيشان عند “موممفيس” (كوم الحصن). يقول هيرودوت: “عندما وصل ابريس على رأس المرتزقة، وأمازيس على رأس المصريين جميعًا، اشتبكا في معركة، ورغم استبسال الأجانب في القتال، فقد هُزموا لأن عددهم كان يقل كثيرًا عن عدد خصومهم”. وهو ما يبين مدى اتساع الثورة واشتراك أعداد كبيرة من المصريين فيها، وكذلك مدى شعبيتها.
كان ابريس على يقين بأنّ لا قوة في الوجود تستطيع تنحيته عن عرش مصر. كان واثقًا من قوة ومتانة الشرعية التي يستند إليها حكمه، ولم يدرك بواكير الشرعية الجديدة — الشرعية الشعبية — التي كانت تتخلّق حثيثًا في أتون الثورة. وكان الدرس واضحًا: لا حصانة لشرعية مهما كانت أمام التفريط في استقلال البلاد وكرامة المصريين.
انتهت الحرب بهزيمة ابريس ووقوعه أسيرًا في قبضة الثوار، واقتيد الملك المخلوع إلى مدينة سايس حيث قصره الذي أصبح مقرًا لأمازيس، ملك مصر الجديد الذي أصبح اسمه منذ ذلك الحين “أحمس الثاني”. وكان أحمس كريمًا مع خصمه وعدوه المهزوم، فقد منحه مكانًا في القصر يعيش فيه، ووفر له المأكل والملبس. لكن المصريين شعروا بعد فترة بأن من الظلم أن يستمر رجل باع البلاد وفرّط في كرامتها في الاستمتاع بخيراتها، كما لو كان يُثاب على شنيع فعلته. وأمام ضغط الرأي العام، أصدر الملك أحمس الثاني أمره بالتخلص من الملك المخلوع.
ويقول هيرودوت إن المصريين خنقوه، لكن المؤرخين المصريين يستبعدون ذلك، فهذا النوع البشع من القتل كان عادة فارسية لم تكن قد انتقلت إلى المصريين في ذلك الحين. وهناك رواية أخرى تفيد بأن ابريس قُتل على ظهر إحدى السفن أثناء محاولته الفرار. ودُفن جثمانه بمقبرة آبائه بمعبد الإلهة نيت في عام 568 ق.م، بعد أن شيّعه الملك الجديد وأظهر الحزن عليه.
وبهذا أصبح أحمس الثاني ملك مصر وفرعونها المطلق.
كان أحمس — حسبما تشير مصادر التاريخ المختلفة — رجلًا ذا شخصية قوية، نعمت مصر على يديه بالأمان والاستقرار والتقدم. فقد حفظ حدود مصر أمام أطماع نبوخذنصر وصدّ محاولاته الدائبة لغزو البلاد، وهو ما دعا بعض المؤرخين إلى المقارنة بينه وبين سميّه أحمس الأول قاهر الهكسوس. وعلى المستوى الداخلي شهدت مصر في عهده نهضة اقتصادية وعمرانية كبيرة.
ويقدّر هيرودوت عدد المدن الآهلة بالسكان في عصره بألف مدينة، بينما يقدّرها ديودور الصقلي بـ 18 ألف مدينة. كما شهدت الفنون على يديه أوج مجدها، وقامت التماثيل الشامخة والمعابد المهيبة في كل مكان، وبالذات في سايس ومنف وأبيدوس. وكان أحمس من أوائل المشجّعين للمصريين على الانتشار العمراني خارج الوادي. ففي عهده بدأ الناس في إقامة التجمعات السكنية في الواحات، وبدأ هو في تشييد معبد لآمون وأتمه دارا من بعده.
وكان أحمس أول من ألزم المصريين بتقديم إقرار ضريبي عن دخولهم، ومن لا يفعل ذلك ولم يثبت أنه يعيش عيشة مشروعة كان عقابه الموت، حسبما يخبرنا هيرودوت.
كان أحمس سياسيًا محنكًا، قاد دفة الحكم بحرص وذكاء شديدين. فقد حافظ على علاقات الود والصداقة مع اليونانيين، وحرص في الوقت نفسه على صيانة مصالح شعبه. وعندما وقعت الاضطرابات بين الجنود المصريين والتجار اليونانيين المتفرقين في مناطق الدلتا، حدد لليونانيين مناطق للإقامة لا يتجاوزونها. فاختار لهم مدينة “نوقراطيس”، وسمح لهم ببناء مدينة خاصة بهم تكون مركزًا للتبادل التجاري بين البلدين. واستطاع بذلك أن يتجنب تدهور الموقف، وأن يحفظ للمصريين كرامتهم.
لكن هذا الملك العظيم — رغم إنجازاته — لم يلقَ من المصريين في بادئ الأمر سوى الاحتقار والاستهانة، لأنه لم يكن من نسل الملوك ولا ينتمي لأسرة ذائعة الصيت. ولكي يغير هذا الوضع، لجأ أحمس إلى حيلة إن دلت على شيء فإنما تدل على مبلغ ذكاء هذا الملك وحنكته، بل وصعلكته.
فقد كان في قصره طست من الذهب، يستخدمه ضيوفه في غسل أيديهم وأرجلهم. فأمر بصهره وصنع تمثال ضخم لإله من الآلهة، ونصبه في أبرز مكان بالمدينة. وأخذ الناس يتوافدون على التمثال ويعظمونه ويقدمون له القرابين. وعندما علم الملك بذلك، دعا أهل المدينة وأبلغهم أن هذا التمثال الذي يجلونه ويوقرونه كان في الماضي طستًا يتقيأ فيه الناس ويبولون ويغسلون أرجلهم فيه! ثم خاطبهم قائلًا:
“إن نصيبي من نصيب هذا الطست. فإذا كنتُ فيما مضى واحدًا من عامة الشعب، فأنا الآن ملككم، ومن الواجب عليكم تبجيلي واحترامي!”
ونجح بذلك في استمالة قلوب المصريين إليه والفوز بحبهم واحترامهم.
ومما يُحكى عن هذا الملك أنه كان يتبع نظامًا يوميًا لإدارة عمله غريبًا بعض الشيء. فهو يصحو مبكرًا، ويتوجه إلى السوق يصرف بهمّة ما يُعرض عليه من أعمال. فإذا ما انقضى اليوم عاد إلى قصره، ونزع عن نفسه سمت الملك، وتحول إلى رجل عادي، يسكر ويلهُو ويداعب أصدقاءه. ولهذا السبب عاتبه أصدقاؤه ووبخوه مدينين سلوكه الذي لا يليق بالملوك، وطلبوا إليه أن يجلس في جلال على عرش مهيب ويدير شؤون المملكة، حتى يعلم الناس أن حاكمهم رجل عظيم ذو سمعة طيبة.
فماذا كان رد الملك؟
قال أحمس لرفاقه العاتبين:
“إن أصحاب الأقواس يشدونها عندما يحتاجون إلى استعمالها، وبعد استخدامها يرخونها؛ لأنها إذا بقيت مشدودة على الدوام انقطعت، فلا تنجدهم عند الحاجة. وكذلك الحال بالنسبة للإنسان. فإذا ما طُلب الجدُّ دائمًا، دون لهو ساعة، فإنه — من غير أن يدرك — يصير مختلًا أو معتوها.”
اقرأ الجزء الأول والثاني عبر الروابط التالية 👇🏻
شهرزاد