وصلتُ إلى دكانه الصغير. كان عجوزًا يلف رأسَه بعمامةٍ بيضاء، ويحتفظ بخدين موردين يُوحيان أن له أصلًا تركيًا. ظل محنيًا وراء ماكينة خياطة عتيقة تصدر تكتكة، بينما هو يحدثني بجملٍ قليلة، وأنا صامتٌ في حضرته.
ليس هناك زحام لزبائن، لكنه اعتاد أن يشغلَ فراغ أيامه برتق ملابس الفلاحين، هنا وهناك تناثرت جلابيب وسروايل داخلية وصُدر. لا أفهم كيف يستمرُ العجوزُ في مهنته رغم شح بصره!
ولا أعرفُ كيف جمعت بيننا محبة. فلا صلة قرابة مباشرة ولا أنا ألبس ملابس الفلاحين هذه. ربما أرسلني أحد أقاربي لجلب صديري كان يرتقه الشيخ له.
تكررت زياراتي إلى دكانه شبه المعتم بلا سبب معين، سوى الراحة القلبية. لم يخبرني أنه حج إلى بيت الله ولا أتذكر أننا التقينا أثناء صلاة في مسجدنا الكبير. أحيانًا كان يحدثني عن أفكار قرأها هنا وهناك.
وأحيانا كنتُ أراه ـ من بعيد ـ جالسًا على المقهى يراقب لعب الآخرين للدومينو وهو مبتسم وعلى رأسه عمامة خضراء كبيرة. كنت أراه وسيمًا باستدارة وجهه واحمرار خديه، وتلك البشاشة الروحية التي تشعُ من هيئته كلها.

في طفولتي كنتُ أتصور الأنبياء والأولياء على هيئة الفلاحين الطيبين الذين أميز وجوههم الكادحة. وكنتُ أظن أن الشيخ محمود الخياط البسيط، الخجول المبتسم، ذا العمامة الخضراء، يشبه وليًا من الأولياء الصالحين في قديم الزمان. ولربما كان هو نفسه وليًا ولا يعرف أو يعرف ولا يُعلن.
كنتُ في المرحلة الإعدادية، ولم أتخيل أن الشيخ محمود الخياط العجوز مثقف اعتاد أن يقرأ مجلات الأزهر والرسالة. وعندما علم أنني أحب الكتابة لم يقل لي: “اهتم بمذاكرتك”، بل شجعني وتوقع أن يكون لي شأن في المستقبل.
لا أدري أية فراسة جعلتُه يتوقع ذلك! ولا أنسى عندما كان في مكتب البريد وعلم أن هناك خطابا باسمي فأصر أن يأتيني به، رغم أن بيتنا في آخر القرية، ما يعني أنه سوف يسير مسافة ليست هينة على عكازه.
غمرني حنان نظراته وأنا أفتح الخطاب بهدوء بينما كان يحدثني بلهفة: “بشرني”! أظنه كان خطابًا روتينياً جدًا، ووجدتني في حرج كي لا أكسر بخاطره وتوقعه أنه خطاب فوز بجائزة ما، عن قصةٍ لم أكتبها.
تباعدتْ بيننا أيام وشهور وسنوات، مع استقراري في القاهرة ثم مرحلة الجيش، ثم سفري إلى الكويت. ولا أتذكر أنني سمعت خبر وفاته ولا حضرت له جنازة. فجأة اختفى من مساري مستبقيًا ابتسامته وعمامته الخضراء. بعد سنوات حلمتُ به حلماً قصيرًا جدًا، كان واقفًا فوق صخرة في عرض البحر لا تطوله الأمواج، بينما أنا على الشاطئ أسمع صوته يهتف لي: “إن الأمر قريب. إن الأمر قريب”.
بعد عودتي من الكويت، وأثناء زيارتي إلى قريتنا، روى لي صديق عزيز أكبر مني سنًا، أن إحدى بنات الشيخ رأته -بعد وفاته- كان يقف أمامها حيًا. ليس شبحًا ولا وهمًا ولا حلمًا. هل هو حقًا حي لم يمت؟ هل يملك خاصية تجعله قابلًا للحضور كيفما يشاء وقتما يشاء؟ هل يستطيع -في عالمه الآخر- أن يتابع أخباري السعيدة، والحزينة أيضًا؟
في طفولتي كنتُ أتصور الأنبياء والأولياء على هيئة الفلاحين الطيبين الذين أميز وجوههم الكادحة. وكنتُ أظن أن الشيخ محمود الخياط البسيط، الخجول المبتسم، ذا العمامة الخضراء، يشبه وليًا من الأولياء الصالحين في قديم الزمان. ولربما كان هو نفسه وليًا ولا يعرف أو يعرف ولا يُعلن.
روى أحدهم عن الفضيل بن عياض أنه كان جالسًا بين أصحابه فقال: لو أن الرجل صدق في التوكل على الله عز وجل، ثم قال لهذا الجبل: اهتزْ لاهتز.. فوالله لقد رأيتُ الجبل قد اهتز وتحرك، فقال الفضيل: يا هذا إني لم أعنك رحمك الله، قال: فسكن.
الغريب أن الفضيل الذي استجاب له الجبل واهتز لم يكن في مبتدأ حياته عالمًا ورعًا بل كان لصًا قاطع طريق، وسبب توبته أنه عشق جارية، وبينما كان يرتقي الجدران إليها، سمع من يتلو “ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله” فقال: بلى يا رب، قد آن، وجعل توبته مجاورة بيت الله الحرام.
كيف ينقلب فجأة قاطعُ طريقٍ إلى ولي الله؟ بينما لا يصل نُساك على مدى سنوات إلى تلك المكانة؟

شهرزاد
هكذا يدهشنا دوما شريف صالح بالسرد الممتع الفياض كما فيض العارفين الذين تحدث عنهم.