في زمنٍ طواه التاريخ، جلس الناس في المقاهي والموالد أمام الحكواتي، منجذبين إلى تعبيرات وجهه ونقلات صوته بين الرقة والشدة، أو الوقوف والاسترسال، وهو يقص حكايات من زمنٍ بعيد عن أبطال السيرة الهلالية أو سيرة عنتر وغيرهما من السير الشعبية. هكذا كان يعيش الناس قبل التلفاز والإنترنت.
فالسيرة الشعبية والحكواتي وجهان لعملة واحدة؛ إذ يُكمل كل منهما الآخر، وكان الحكواتي مصدر المعلومة ونافذة الإنسان البسيط. لم يكن مجرد راوٍ للحكاية فحسب، بل كان صانعًا لعالم ساحر من الإبداع والارتجال والتنوع، غير مقيد بنص ثابت، بل يُعيد تشكيل الحكاية حسب الزمان والجمهور، حاملًا تراثًا وهوية ممتدة عبر الأجيال. فالحكي لم يكن يومًا مجرد وسيلة للتسلية، بل النافذة التي ترتسخ عبرها القيم وتنتقل المعرفة، حيث تبارى الحكاؤون جيلاً بعد جيل في صقل الحكايات وتطويرها على ألسنتهم، ليأتي عصر التكنولوجيا ويمنح هذا التراث المروي أوعية جديدة تصونه وتبعثه في قالب يناسب روح العصر.
وبعيدًا عن المقهى، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي المساحة الجديدة للحكي، وتحول الراوي التقليدي إلى «صانع محتوى». ورغم أن الأخير لا يحمل بين يديه الربابة، فإنه ما زال محافظًا على الأسلوب ذاته في التلاعب بنبرات الصوت وتعبيرات الوجه؛ إنه حكاء عصر الإنترنت الذي لا يقتصر سرده على التاريخ، بل يتناول قضايا العلم والسياسة والاقتصاد، مخاطبًا جمهورًا أكثر تنوعًا ومللًا، لكنه يبحث عن المعرفة الجاهزة والسريعة التي تناسب نمط حياته اليومي.
ويظهر ذلك بوضوح في برامج مثل «الدحيح» و«في الحضارة» وغيرهما من برامج التبسيط المعرفي، التي تقدم وجبة خفيفة لتقوية عضلة المخ خلال دقائق معدودة، حاملة المعلومة بشكل مبسط وقابل للهضم في أسلوب ممتع وشيق، لا يخلو من روح الحكواتي القديم الذي كان يجذب المستمع بأسلوبه الخاص.
فصانع المحتوى اليوم ليس راويًا يعتمد على الذاكرة وحدها، بل باحث متمرس ينقب في الكتب عن المعلومة ثم يعيد صياغتها لتناسب الجمهور، ويقدمها في قالب حكاية مسموعة ومرئية مع توثيق مصادره. وعلى عكس الراوي القديم الذي كان يحكي قصصًا مألوفة ويلتف حوله الناس طلبًا للتشويق والإثارة، يظل الإنسان عبر الزمن مشدودًا بالفطرة إلى تلقي المعرفة في صورة حكاية، سواء كانت مقروءة أو مسموعة أو مرئية.
عن هاني سمير
الكاتب هاني سمير
كاتب وصحفي مصري، يركز مشروعه على تبسيط الأدب وتقريب التراث العربي للقارئ المعاصر. شق طريقه من خلال تجارب صحفية مهمة في جريدة "الشروق" ومنصة "أراجيك"، إلى جانب إسهاماته في منصات عربية وأجنبية متعددة مثل "إضاءات" و"رصيف 22".
في رصيده الإبداعي مجموعة قصصية بعنوان "حياة قصيرة"، ويعمل حالياً على تعميق دراسته برواق العلوم الشرعية والعربية في الأزهر الشريف.