أحدث الحكايا

من طارق بن زياد للمماليك.. كيف تروي ريم بسيوني التاريخ المصري؟

كتب…هاتي سمير

لم تكن ريم بسيوني تتوقع، وهي طالبة في مرحلة الثانوية العامة، أن تصبح يوماً ما من أبرز كاتبات الرواية التاريخية في مصر؛ فقد بدأت في تلك المرحلة المبكرة كتابة روايتها الأولى عن “طارق بن زياد”، لكنها لم تكملها بسبب فقدان بعض مسوداتها. ومع مرور السنوات، أصبحت أستاذةً للغويات في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وحصدت أعمالها العديد من الجوائز المرموقة، من بينها جائزة الشيخ زايد للكتاب وجائزة نجيب محفوظ؛ لتجد نفسها تعيش حياةً موازيةً بين كتب التاريخ والصوفية، وتُعيد قراءة الماضي بعين الحاضر.

 

الكاتبة والروائية المصرية د.ريم بسيوني

 

“بسيوني”، ابنة الإسكندرية، كانت تدرك تماماً أنه لا شيء أصعب من كتابة التاريخ إلا بث الروح فيه وجعله يتنفس من جديد. وهذا ما حدث معها تحديداً عندما ذهبت لزيارة مسجد السلطان حسن عام 2013؛ إذ حركت تلك الزيارة شغفها لفتح كُتب التاريخ وإعادة قراءة ما سطره المقريزي وابن إياس عن مصر المملوكية، رغبةً منها في التعرف على تفاصيل التناغم بين الحجر والبشر والتاريخ. كانت تلك محاولةً واعيةً لقراءة الصورة الشعبية السائدة عن المماليك وتفكيكها في روايتها العمدة “أولاد الناس: ثلاثية المماليك”، وجاء ذلك بعد توقفٍ عن الكتابة الروائية دام سبع سنوات عقب صدور روايتها “أشياء رائعة”.

ومنذ ذلك الحين، أضحى التاريخ فضاءها الروائي الرحب الذي تتحرك فيه بمرونة؛ لتختار منه حكايات البسطاء والناس الذين عاشوا في الأزقة والأسواق وصنعوا ذاكرة المدينة وتاريخها الحقيقي، متجاوزةً حكايات الملوك والسلاطين التقليدية. وتصوغ بسيوني ذلك بمهارة عالية تجمع بين منهج الباحثة الأكاديمية وفن الرواية، وهو ما يتجلى بوضوح في أعمالها اللاحقة مثل: “القطائع: ثلاثية ابن طولون”، و”الحلواني: ثلاثية الفاطميين”، و”كوم النور: عباس حلمي الثاني”؛ إذ تترك المساحة لشخصيات روايتها للتعبير عن أنفسهم، مما يجعل التاريخ جزءاً حياً من حياتهم اليومية، لتؤكد أن التاريخ ليس بطولةً فرديةً مطلقةً، بل هو تراكمٌ لحكاياتٍ صغيرةٍ صاغت هوية مجتمع كامل.

 

 

 

ولا يقتصر مشروع بسيوني الإبداعي على التاريخ وحده، بل يحتل التصوف مساحةً بارزةً في عالمها الروائي؛ فهي عاشقة للتصوف وحكايات المتصوفين ورجالاته، ورغم عدم انتمائها لأي طريقة صوفية، إلا أنها ترى في التصوف تجربةً روحيةً منحتها معنىً شخصياً لليقين، وهو ما انعكس على ملامح شخصيتها وأسئلتها الوجودية، وأضفى على أعمالها بُعداً إنسانياً يتجاوز حدود الحدث التاريخي الجاف.

ولم يخلُ مشروعها الروائي من ملاحظات نقدية؛ إذ رأى بعض النقاد أن الدقة التاريخية الكبيرة لم تقترن دائماً بالتماسك نفسه في بناء بعض الشخصيات الثانوية، أو في تجنب التكرار الأسلوبي في بعض المقاطع. ومع ذلك، نجحت ريم بسيوني في ترسيخ صوت خاص ومتفرد داخل المشهد الروائي العربي، يجعل من التاريخ وسيلةً لفهم الحاضر، ومن المدينة ذاكرةً حيةً، ومن الإنسان محور الحكاية؛ ليظل مشروعها الروائي مشرعاً ومفتوحاً أمام نصوص تاريخية أخرى لا تزال تبحث عن راوٍ.

 

 

عن شهرزاد

المحرر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *