الشيخ المسلوب ..الجذور الأولى لنهضة الغناء المصري
هاني سمير
2026 أكتوبر 05
تاريخ, حكايا الأدب, حكايا الأيام, حكايا الإنسان, حكايا الفن
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وبينما كانت الموسيقى المصرية ما زالت متأثرة بالموسيقى العثمانية والفارسية، ظهرت قوالب غنائية جديدة تحمل ملامح مصرية خالصة، معتمدة على الموروث الشعبي من الموشحات والإنشاد الديني، مع مراعاة التحولات الثقافية التي شهدتها مصر في عصر النهضة.
وفي هذا المناخ، ظهر الشيخ محمد عبد الرحيم المسلوب، أحد شيوخ الموسيقى والغناء، الذي ارتبط اسمه ببداية تطور قالب «الدور» الغنائي. لم يكن المسلوب مغنيًا أو ملحنًا فحسب، بل كان رائدًا ومؤثرًا في عالم الموسيقى، ولهذا عُرف بـ «شيخ أرباب المغاني»، فهو من صنع نهضة الغناء المصري الذي تشكلت ملامحه لاحقًا على يد عبده الحامولي ومحمد عثمان، واستمر أثره حتى سيد درويش ومن جاء بعده.
جاء المسلوب من بيئة المشايخ والمنشدين، حيث درس في الأزهر الشريف، وهو ما انعكس على تكوينه الموسيقي وجعله متمكنًا من المقامات والإيقاعات، فضلاً عن فن الموشحات والأناشيد. نقل هذه المعرفة إلى مجال الغناء، باحثًا عن أشكال جديدة قادرة على التعبير عن الذائقة المصرية والتخلص من القوالب القديمة.
ارتبط اسم المسلوب بفن «الدور» العريق في التراث الموسيقي العربي، لكنه أسهم في صياغة شكله الحديث القائم على المذهب (الخاص بالبطانة) والأغصان (الخاص بالمطرب)، والتناوب بينهما؛ بما منح المطرب مساحة واسعة للارتجال والتلوين المقامي، مؤسسًا مدرسة فنية قابلة للاستمرار. وقد تلقف هذا التطوير مطربون أمثال محمد عثمان، الذي أضاف تنوعًا في المقامات وزاد مساحة الحوار بين المطرب والبطانة، ثم تبعه عبده الحامولي بصوته العذب وقدرته على الارتجال، ليحولا هذه الأشكال إلى مادة طربية آسرة.
وتتجلى أهمية المسلوب في تاريخ الغناء بكونه مهد الطريق لما جاء بعده، لتصبح تجربته الفنية مرجعًا لجيل كامل من الملحنين والمغنين. أما الرواية الأشهر عنه فتقول إنه عاش عمرًا طويلًا امتد لأكثر من قرن، بداية من أواخر القرن الثامن عشر وحتى عام 1928، ورغم تضارب تواريخ ميلاده ووفاته في المصادر، تظل قصة «المائة والثلاثين عامًا» من الروايات المتداولة في سيرته أكثر منها حقيقة تاريخية محسومة.
المثير للدهشة أن المسلوب، الذي وضع أسس أهم القوالب الغنائية ورسم ملامح الطريق، انتهى به الحال إلى هامش الذاكرة الجماهيرية بعد أن كان مرجعًا لكبار المطربين والملحنين. وقد ساعد على ذلك تغير وسائل الاستماع والتسجيل، وظهور الأغنية الإذاعية والسينمائية، وانحسار فن «الدور» من الحياة اليومية.
رغم هذا، لم يختفِ أثر المسلوب، بل ظل حاضرًا في فرق الموسيقى العربية ودراسات التراث كجزء أصيل في سلسلة الغناء المصري الموصولة حتى أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب ومن جاء بعدهم؛ إذ يُنسب إليه أكثر من مئة دور وأغنية، من أبرزها «العفو يا سيد الملاح» و«البدر لاح في سماه»، وصولاً إلى رائعته الأشهر «يا حليوة يا مسليني» التي تغنى بها الكثيرون.
إن الحديث عن محمد عبد الرحيم المسلوب ليس عودة إلى اسم منسي، بل هو وقفة عند لحظة تأسيسية في تاريخ الغناء، فتح فيها المبدعون أبوابًا جديدة لفن أصبح لاحقًا أحد أبرز وجوه الثقافة العربية.