من سيرة «إيفان أجيلي» إلى نسيج الحكاية.. رحلة بسمة ناجي مع الكتابة والترجمة (الجزء الثاني)
هاني سمير
2026 يوليو 23
تاريخ, حكايا الأدب, حكايا الأيام, حكايا الإنسان, حكايا الكتب
إذا كانت الترجمة بالنسبة إلى بسمة ناجي قراءةً مُعمّقة لنصوص الآخرين، فإن روايتها الأولى “من سيرة ذئب عابر” تكشف وجهها الآخر ككاتبة تنحاز للتاريخ بوصفه قصصاً وسرديات حية لا مجرد حقائق موثقة؛ وهو ما دفعها للنبش في سيرة الرسام والمفكر السويدي إيفان أجيلي، تقتفي أثر تحولاته وسياقه الإنساني وما يجمعه مع واقعنا المعاصر.
تلك الإقامة التاريخية لأجيلي في مصر، وتحديداً في أسيوط، أثارت فضولها منذ القراءة الأولى، لتجد نفسها تدريجياً تسد فراغات السيرة بالخيال، ورابضة على جسرٍ يربط بين شخصيات يفصل بين عوالمها قرنٌ كامل.
وفي المساحة الفاصلة بين حرية الروائية ومسؤولية المترجمة، تضع بسمة حداً فاصلاً يبدأ من التساؤل المخلص حول مرامي النص الأصلي: ماذا أراد الكاتب من هذه المفردة؟ وبأي نبرة تُقرأ؟ وما حمولتها الثقافية؟ أسئلةٌ تجعل من حرية المترجم تقف احتراماً عند حدود المعنى، بوصفها مسؤولية أخلاقية تجاه النص بالأساس.
وهي أدوات صقلتها تجربتها كمترجمة ذاتية التعلم، لم تدرس الفن أكاديمياً بل اكتسبته من البحث الواعي الذي رافقها في التوثيق لروايتها، إلى جانب ما منحته الترجمة للغتها من مرونة في اختيار الصياغات والبدائل الأدبية.
يتكامل هذا الشغف بالنص مع شغفٍ آخر بالسفر والحركة؛ إذ تمنحها الإقامات الأدبية والتجول ـ سواء بين العواصم أو في أزقة حيّها السكني ـ فرصةً لتأمل البشر ومراقبة التفاصيل اليومية التي تترسب في مخيلتها لتنسكب لاحقاً في الكتابة. ومن هذه الزاوية الإنسانية، تطل بسمة على الطفرة الحالية في حركة الترجمة العربية؛ فلا تراها مفاضلة بين الكم والجودة، بل فرصة لإتاحة عوالم أكثر أمام القارئ العربي، متقبلةً طبيعة السوق وحسابات النشر وتنوع الأذواق الذائقة.
تنكب بسمة ناجي حالياً على كتابة متتالية قصصية، بالتوازي مع ترجمة رواية وكتاب فكري، تتنقل بينها بشغفٍ متوازن دون إعطاء أولوية مطلق لواحد على آخر. وفيما تترك أفكار ترجمة أعمالها للغاتها الأخرى لخطة الناشرين، يظل انشغالها الحقيقي مقدماً لصالح صياغة جملة عربية دقيقة ونقية، تحتفظ ببهائها مهما انتقلت بين اللغات، وتُشبع روحها كقارئة أبدية لا تزال تنهل من سراديب الكتب.