أحدث الحكايا

الأدب والساحرة المستديرة.. كيف قرأت الكتب شغف المصريين بكرة القدم؟

في مصر، لا تنتهي مباراة كرة القدم بصفارة الحكم في المستطيل الأخضر، بل تتحول إلى نص مفتوح يشارك الجميع في تحليله والتعبير عن آرائهم حوله؛ بدءاً من أروقة المقاهي، مروراً بصفحات التواصل الاجتماعي والبرامج الرياضية، وصولاً إلى دفتي الكتب التي حاولت فهم هذا الشغف العصي على النفاد بالساحرة المستديرة.

في “موسوعة كأس العالم”، يرصد ياسر ثابت مشاركة مصر الأولى عام 1934 ثم عودتها عام 1990، مستعرضاً كواليس البطولات وأرقامها التي تحولت في الوجدان المصري إلى مادة لسرد شعبي غني بالإثارة، تطوف حكاياته بين الأجيال لتخلد الأهداف واللاعبين حتى في البطولات التي غاب عنها المنتخب الوطني.

أما محمد توفيق في كتابه “مصر بتلعب”، فيقترب من اللعبة كمدخل لفهم الشخصية المصرية؛ إذ يحفظ بائع الفول تشكيلات الفرق تماماً كما يحفظها أبناء مختلف الطبقات، لتغدو الكرة لغة جامعة تُصاغ بها الصداقات وتُولد عبرها الذكريات، بينما يتحول المقهى مع كل بطولة إلى مدرج مفتوح يشهد على الانكسار والانتصار، مؤكداً أن الحدث الكروي أعمق من مجرد لعبة، بل مناسبة اجتماعية تعكس ثقافة شعب عاشق للحكاية.

وعلى الجانب الآخر، يأتي كتاب “حروب كرة القدم” لريشارد كابوشينسكي ليذكر القارئ بأن اللعبة لم تكن يوماً معزولة عن السياسة والمجتمع، بل مسرحاً تتقاطع فيه الرياضة مع الثقافة والاقتصاد والتنافس بين الدول. وهو بعدٌ يتجاوز الملعب، لتواجهه الجماهير ـ ولا سيما الجمهور المصري ـ بسخرية لاذعة وتناول متهكم، في محاولة واعية لتجاوز آلام المشهد ومفارقاته.

تتفق هذه الأعمال على أن كرة القدم تشكل ثقافة متكاملة لا تتوقف عند النتائج الصماء، بل تعيش بالقصص التي تتناقلها الأجيال؛ من الشغف والترقب، إلى المفاجأة والحلم المستمر بالتتويج. وبذلك تبدو العلاقة بين الأدب والكرة علاقة تكاملية حية؛ فكما يوثق الكتاب أرقام الملعب، يوثق أيضاً مشاعر الجماهير بين الفرح والشجن، مؤكداً أنه إذا كان اللاعب بطل الميدان، فإن الجمهور هو بطل المعنى الذي منح البطولة روحها، تاركاً قصة تستحق أن تُروى على الورق.

 

 

عن هاني سمير

الكاتب هاني سمير كاتب وصحفي مصري، يركز مشروعه على تبسيط الأدب وتقريب التراث العربي للقارئ المعاصر. شق طريقه من خلال تجارب صحفية مهمة في جريدة "الشروق" ومنصة "أراجيك"، إلى جانب إسهاماته في منصات عربية وأجنبية متعددة مثل "إضاءات" و"رصيف 22". في رصيده الإبداعي مجموعة قصصية بعنوان "حياة قصيرة"، ويعمل حالياً على تعميق دراسته برواق العلوم الشرعية والعربية في الأزهر الشريف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *