عرف المجتمع المصري المقاهي والصالونات الثقافية كملتقى للأفكار والنقاش، وجزءاً من الشخصية المصرية، وهو ما وثّقه المقريزي في مدوناته. واستمرت هذه المساحات طوال القرن العشرين، وإن اختلفت تجارب روادها؛ ففي بيته صاغ “طه حسين” مشروعه الثقافي عبر صالون أدبي أنيق، بينما اتخذ “نجيب محفوظ” من المقاهي مجلساً يستشف منه نبض الشارع والإنسان عن قرب.
في بيت “طه حسين” بالزمالك، كان العميد وزوجته يستقبلان مساء كل أحد كبار قادة الثقافة والمجتمع؛ لمناقشة نتاجه الأدبي وقضايا حرية الرأي، إلى جانب التفاكر في أحدث أطروحات الفكر المعاصر، كما يروي كمال الملاخ في كتابه “طه حسين قاهر الظلام”. وفي هذا السياق، يبرز جابر عصفور في “زمن جميل مضى” أن عميد الأدب العربي لم يكن معزولاً عن الشارع، بل كانت الأسئلة المؤرقة للناس حاضرة في صلب مناقشاته، وهو ما تؤكده شهادات معاصريه وصفحات الصحف والمجلات الثقافية.
وفي المقابل، كان نجيب محفوظ يفضل ترك المنزل لأسرته ويتجه نحو المقاهي؛ ليتقاطع مع الأصدقاء والمهتمين بالحراك الثقافي، متتبعاً تحولات المجتمع ومناقشاً قضاياه سواء في أدبه أو حواراته. ومن جلساته تلك استلهم العديد من أفكار رواياته وأحداثها، ولا سيما في مقهى “الفيشاوي” الذي أبدع بين جدرانه “الثلاثية”. كما أسس لقاءً أسبوعياً صباح كل جمعة في مقهى “ريش” مطلع الستينيات، لغدت تلك الجلسات التي تمتد لثلاث ساعات قبلةً للأدبا والمثقفين، كما ينقل الكاتب يوسف القعيد.
فالمقاهي عند محفوظ كانت كتاباً حياً يقرأ فيه طبائع البشر، خلافاً للتجربة الإنسانية والذاكرة السمعية التي صاغت ملكات طه حسين الإبداعية. ورغم ذلك، لم تخلُ المساحتان من الصراعات الفكرية؛ إذ قاد كتاب “في الشعر الجاهلي” طه حسين إلى أروقة المحاكم عام 1927، بينما دفعت “أولاد حارتنا” ـ الرواية الأكثر جدلاً لمحفوظ ـ أحد المتطرفين لمحاولة اغتياله عام 1994.
وفي المحصلة، يتجلى صالون طه حسين كمساحة للتفكير واكتشاف الآخر، بينما يبرز مقهى نجيب محفوظ كفضاء للالتحام بالحياة ومستجداتها. لكنهما التقيا عند الحقيقة ذاتها: أن الكاتب يحتاج دوماً إلى التماس الإنساني، ليكتشف ذاته ويفهم العالم، ويضمن استمرار نهر الإبداع.
عن هاني سمير
الكاتب هاني سمير
كاتب وصحفي مصري، يركز مشروعه على تبسيط الأدب وتقريب التراث العربي للقارئ المعاصر. شق طريقه من خلال تجارب صحفية مهمة في جريدة "الشروق" ومنصة "أراجيك"، إلى جانب إسهاماته في منصات عربية وأجنبية متعددة مثل "إضاءات" و"رصيف 22".
في رصيده الإبداعي مجموعة قصصية بعنوان "حياة قصيرة"، ويعمل حالياً على تعميق دراسته برواق العلوم الشرعية والعربية في الأزهر الشريف.