أحدث الحكايا

في أدب نورا ناجي.. كيف تنقذنا الذاكرة من شروخ الواقع؟

من بين الروائيين الذين يطاردون الحدث الصاخب، تنتمي نورا ناجي إلى فريقٍ يتتبع الإنسان في لحظة محاولته النجاة من أثر ما حدث؛ فلا تنشغل بتفاصيل الواقع السطحي بقدر اهتمامها بما يتركه من شروخ خفية في النفس. وفي أعمالها تتجول الشخصيات داخل الأمكنة كما تتجول في ذاكرتها، ليغدو الماضي شريكاً دائماً في تشكيل حاضرها.

تلك البصمة السردية لابنة محافظة الغربية، وخريجة الديكور بكلية الفنون الجميلة، تتبدى في جملٍ قصيرة مشبعة بالإيحاء النفسي والإيقاع الهادئ، تعتمد الاقتصاد اللغوي وتترك مساحات وافرة للصمت بين الكلمات. وفي هذا العالم لا تُبنى العوالم المتماسكة بقدر ما تُعدّ خرائط للهشاشة الإنسانية؛ حيث يواجه الأبطال العاديون أسئلةً كبرى حول الحب بعد الفقد، وعن الذاكرة إن كانت ملاذاً أم عبئاً.

هذا الاشتغال يجعل الأمكنة لدى نورا ناجي تتجاوز دور الخلفية لتتحول إلى شخصيات حية تختزن الحب والانكسار؛ فتصبح البيوت والجدران والمقاهي رموزاً لما يتراكم داخل الإنسان من مشاعر صامتة. يتجلى ذلك في “بيت الجاز” حيث يندمج المكان بالذاكرة ويتحول الفن إلى وسيلة لفهم الذات، وفي “بنات الباشا” حيث يغدو الماضي مرآةً لأسئلة الحاضر حول المرأة والسلطة والمجتمع، بينما تختزل “سنوات الجري في المكان” معاناة جيلٍ كامل يركض في موقعه دون أن يتقدم خطوة.

ولا يتوقف مشروعها عند حدود الرواية، بل يمتد للتفكر في العزلة والإبداع؛ إذ تفتح في “الكاتبات والوحدة” نافذة على الجانب الإنساني للكتابة وعلاقتها بالمرأة، بينما ترصد في “مثل الأفلام الساذجة” الفجوة بين الأحلام الرومانسية وانهيارها أمام تفاصيل الحياة اليومية، لتبقى الشخصيات معلقة بين المخيلة والواقع.

تكمن جمالية تجربة نورا ناجي في قدرتها على قراءة الإنسان من الداخل دون فرض أحكام أو تقديم إجابات جاهزة، تاركةً للقارئ مساحةً ليعثر بين السطور على ملامح من ذاته، في دعوة رقيقة لإعادة النظر في علاقتنا بالذاكرة والآخرين.

عن هاني سمير

الكاتب هاني سمير كاتب وصحفي مصري، يركز مشروعه على تبسيط الأدب وتقريب التراث العربي للقارئ المعاصر. شق طريقه من خلال تجارب صحفية مهمة في جريدة "الشروق" ومنصة "أراجيك"، إلى جانب إسهاماته في منصات عربية وأجنبية متعددة مثل "إضاءات" و"رصيف 22". في رصيده الإبداعي مجموعة قصصية بعنوان "حياة قصيرة"، ويعمل حالياً على تعميق دراسته برواق العلوم الشرعية والعربية في الأزهر الشريف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *