أحدث الحكايا

من صالون العقاد إلى سينما «وفاء».. الوجه الأدبي لمديحة يسري

خلف صورتها الراسخة في الأذهان بوصفها «سمراء الشاشة» التي تربعت على عرش السينما المصرية لعقود، تحتفظ مديحة يسري (1921-2018) -التي ولدت باسم «غنيمة خليل» وعُرِفت في طفولتها بـ «هنومة»- بجانبٍ أثير أقل حضوراً؛ إذ سبق شغفُها بالقراءة والكتابة والرسم خطواتِها الأولى نحو أضواء السينما، ليصوغ ملامح روحها قبل أن تطل على الشاشة.

تفتحت علاقتها بالكتاب وهي بعدُ في صباها؛ حين أهدتها صديقةٌ روايةً مترجمة عن حياة «جان دارك»، فأنهتها في يوم واحد لشدة شغفها بالأحداث. ثم انتقلت إلى سيرة كليوباترا، لتُفتح أمامها أبواب الاكتشاف لشخصيات نسائية تركن أثراً في التاريخ. وعُرِف عنها قراءة زهاء عشرين كتاباً شهرياً خلال العطلات المدرسية، إلى جانب محاولاتها القصصية وولعها بالرسم الذي ورثته عن والدها؛ إذ نجحت في صغرها بتقليد لوحة زيتية بإتقان لافت.

هذا المزيج الثقافي هو ما مهد لها الطريق إلى صالون العباس محمود العقاد؛ بعدما أبدى الكاتب الكبير إعجابه بقصة لها نُشرت مسلسلَةً في إحدى الصحف، فدعاها للانضمام إلى مجلسه. كان الصالون بالنسبة لها مدرسة حقيقية؛ فيه التقت كبار أدباء عصرها، وتعلمت إتقان الإصغاء قبل التحدث، وهو ما انعكس لاحقاً على مسيرتها الفنية حين قدمت أعمالاً من تأليفها، وفي مقدمتها فيلم «وفاء».

أما علاقتها بالعقاد، فظلت واحدة من أكثر صفحات حياتها حيرةً وتأثيراً؛ إذ كان الأديب الكبير يرى فيها مشروع أديبة يستحثها على الابتعاد عن أضواء الفن، وكتب فيها قصائد تراوحت بين الشغف والعتاب، لا سيما بعدما اختارت زواجها من الوسط الفني. وهو ما دفع صديقه الفنان صلاح طاهر إلى رسم لوحة تعبيرية رمزية وضعها العقاد فوق أريكة نومه لتُعينه على الصبر وتجاوز ألم الفقد.

كما امتدت جُسورها الثقافية إلى الأديب يوسف السباعي، صاحب رواية «إني راحلة»؛ إذ اقتنت حقوق تحويلها إلى فيلم سينمائي لقاء مبلغ رمزي، مستندة إلى صداقة عائلية قديمة، ليكون العمل لاحقاً إحدى علامات السينما المصرية.

بهذا التناغم بين الكلمة واللوحة والمشهد، تظل مديحة يسري نموذجاً لفنانة حملت عمقاً ثقافياً لم يُسلَّط عليه الضوء كفاية، رغم أنه كان المنبع الأساسي لتكوينها الإنساني والإبداعي.

 

 

عن هاني سمير

الكاتب هاني سمير كاتب وصحفي مصري، يركز مشروعه على تبسيط الأدب وتقريب التراث العربي للقارئ المعاصر. شق طريقه من خلال تجارب صحفية مهمة في جريدة "الشروق" ومنصة "أراجيك"، إلى جانب إسهاماته في منصات عربية وأجنبية متعددة مثل "إضاءات" و"رصيف 22". في رصيده الإبداعي مجموعة قصصية بعنوان "حياة قصيرة"، ويعمل حالياً على تعميق دراسته برواق العلوم الشرعية والعربية في الأزهر الشريف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *