أحدث الحكايا

د.محمد عفيفي يحكي حكاية التاريخ (2): التاريخ القديم وهيمنة المركزية الأوروبية

اعتاد المؤرخون على تقسيم الفترات الزمنية إلى ما قبل التاريخ، يعقبه التاريخ القديم، فالتاريخ الوسيط، ثم التاريخ الحديث، وصولاً إلى التاريخ المعاصر، أي القريب منا. فما هي حكاية التاريخ القديم؟

بدايةً لابُد من الإشارة إلى أن هذه التقسيمات الزمنية هي تقسيم افتراضي وضعه أساتذة التاريخ، في محاولة لوضع علامات إرشادية على التحولات الكبرى في تاريخ البشرية، وأيضًا وبشكل عملي صناعة تخصصات أكاديمية للدراسات التاريخية في الجامعات، هذا فضلاً عن تسهيل الدراسة في حد ذاته.

وإذا عُدنا إلى مصطلح “التاريخ القديم” لا بُد من طرح السؤال التقليدي: متى يبدأ التاريخ القديم؟ في الحقيقة اصطلح المؤرخون فيما بينهم على أن التاريخ القديم يبدأ مع معرفة الإنسان الكتابة، وبالتالي تدوين تاريخه، وعلى ذلك فالفترة السابقة على بداية التاريخ القديم هي الفترة التي اصطُلِح على تسميتها بعصور ما قبل التاريخ.

“الأصل في تبجيل الكتابة هو ما تصوره الإنسان من قداسة لكل شيء مكتوب، لارتباط التدوين والكتابة بالحفاظ على الأديان.”

التقسيم التاريخي

وهنا سنعود إلى المشكلة الرئيسية في هذا التقسيم التاريخي، وأيضًا لمعنى ومفهوم التاريخ. فإذا كان التاريخ هو سجل نشاط الإنسان على الأرض، فإن هذا النشاط يبدأ بالتأكيد قبل معرفة الإنسان للكتابة، ويستمر أيضًا مع معرفة الإنسان للكتابة!

ويرد البعض على ذلك بأن ما يهمنا هو فكرة التدوين في حد ذاتها، ووصول الإنسان لمرحلة حضارية وفكرية يتعرف فيها على الكتابة. وهنا يرد البعض على ذلك بأن كل ما هو مكتوب في الحقيقة كان شفاهيًا، وما استجد هو عملية التدوين، وأن الأصل في تبجيل الكتابة هو ما تصوره الإنسان من قداسة لكل شيء مكتوب، لارتباط التدوين والكتابة بالحفاظ على الأديان. ويرى هؤلاء أن الأصل في الأشياء هو الشفاهية، ويضرب هؤلاء المثل على ذلك بالأساطير سواء الفرعونية أو اليونانية، والتي انتقلت من جيل إلى آخر عن طريق الحكي والشفاهية، ثم تم تدوينها بعد ذلك. من هنا يرفض بعض المؤرخين، أو على الأقل يأخذ على مصطلح “التاريخ القديم” اعتماد بدايته على معرفة الإنسان الكتابة.

كتابة هيروغليفية على أحد جدران معبد الكرنك

إشكالية بداية التاريخ والجغرافيا

وفي الحقيقة ينشأ عن ارتباط بداية التاريخ القديم بمعرفة الكتابة الكثير من المشاكل، لعل أهمها هو اختلاف بدايات التاريخ القديم من مكان إلى مكان آخر. فعلى سبيل المثال يبدأ التاريخ القديم في منطقتنا العربية مع معرفة المصري القديم الكتابة، وكذلك حضارات بلاد الرافدين (العراق)، وكذلك الفينيقيون في لبنان ومستعمراتهم في حوض البحر المتوسط.

لكن ماذا عن منطقة شبه الجزيرة العربية والخليج العربي، فيما عدا اليمن، التي تتأخر فيها معرفة الإنسان للكتابة قرون طويلة؟ ولعل الشعر الجاهلي- الذي هو ديوان العرب، وتاريخهم الشفاهي- لم يتم تدوينه إلا بعد ظهور الإسلام بسنوات عديدة.

ويشير أصحاب هذا الاتجاه إلى تأخر معرفة الإنسان الكتابة في وسط وغرب أوروبا، مقارنةً بمنطقة الشرق الأدنى- منطقتنا- وبالتالي تأخر بداية التاريخ القديم في أوروبا. والنموذج الأكبر والدال في هذا الاتجاه هو قارة أفريقيا، لا سيما منطقة أفريقيا جنوب الصحراء، التي ستتأخر معرفة الإنسان للكتابة فيها ربما حتى القرن التاسع عشر؛ حيث كان الإنسان يحفظ تاريخه وعاداته وتقاليده من خلال التراث الشفاهي، هذا التراث الذي بدأ في جمعه وتدوينه على يد المستعمر الأبيض الأوروبي في القرن التاسع عشر.

الكتابة المسمارية

هكذا نرى أن هناك العديد من الملاحظات حول بدايات التاريخ القديم، والأمر المثير أننا سنرى أيضًا الكثير من الملاحظات حول نهاياته. وهنا سنرى بدايات ظهور المركزية الأوروبية، أي النظرة إلى تاريخ العالم من منظور أوروبي، لأن من وضع هذه التقسيمات كانوا المؤرخين الأوروبيين في الجامعات الأوروبية. من هنا رأى هؤلاء أن نهاية التاريخ القديم هي سقوط روما والإمبراطورية الرومانية على يد قبائل الشمال الأوروبي- القبائل الجرمانية- في عام 476 ميلاديًا، نظرًا لأهمية هذا الحدث في تطور تاريخ غرب أوروبا.

لكن ماذا عن شرق أوروبا؟ في الحقيقة التأثير ضعيف إلى حدٍ ما، نظرًا لاستمرار الإمبراطورية الرومانية الشرقية المعروفة بالإمبراطورية البيزنطية، هذه الإمبراطورية التي عرفها العرب باسم “الروم”.

“هذا المصطلح “التاريخ القديم” هو مجرد مصطلح، وهو أمر نسبي، فلم يستيقظ العالم غداة سقوط روما ليقول: هنا ينتهي التاريخ القديم!”

صورة توضيحية لسقوط الإمبراطورية الرومانية

وإذا نظرنا إلى حالة مصر، سنجد استمرار مصر كولاية بيزنطية، وهنا يحتار البعض في أمر نهايات التاريخ القديم في مصر، فالبعض يعتبر أن مصر البيزنطية هي بداية العصور الوسطى، ونهاية التاريخ القديم، بينما يرى البعض الآخر أن مصر في عصر الإمبراطورية البيزنطية هي امتداد لما سبقها، وأن النهاية الطبيعية والمنطقية للتاريخ القديم في مصر هي دخول العرب إلى مصر في القرن السابع الميلادي، وبداية حقبة جديدة في التاريخ المصري.

مجرد مصطلح

هكذا نرى أن نهاية التاريخ القديم في غرب أوروبا، تختلف عن تاريخ الشرق الأدنى، فما بالنا بتاريخ فارس والهند والصين؟ وماذا عن تاريخ أفريقيا جنوب الصحراء؟ من هنا لا بُد من الإشارة إلى أن هذا المصطلح “التاريخ القديم” هو مجرد مصطلح، وهو أمر نسبي، فلم يستيقظ العالم غداة سقوط روما ليقول: هنا ينتهي التاريخ القديم!

كذلك ينبغي الانتباه إلى مسألة المركزية الأوروبية في النظرة إلى التاريخ، وهو ما سنلاحظه جيدًا عند الحديث عن بقية العصور التاريخية: العصور الوسطى، العصر الحديث، التاريخ المعاصر.

عن د. محمد عفيفي

أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة القاهرة، حصل على الماجستير عن رسالته التي تناولت الأوقاف في العصر العثماني، ومن بعدها درجة الدكتوراه من جامعة القاهرة عن دراسة حول الأقباط في العصر العثماني، وقد تولى رئاسة قسم التاريخ بآداب القاهرة مرتين. كما عمل باحثًا في المعهد الفرنسي للآثار، وفي المعهد الفرنسي للدراسات الاجتماعية والاقتصادية. ثم شغل منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة في الفترة من 2014 إلى 2015. حاصل على جائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية لعام 2004، والتفوق في العلوم الاجتماعية لعام 2009، والتقديرية في العلوم الاجتماعية لعام 2020-2021.

شاهد أيضاً

حكايا الأيام (15 أبريل): انتهاء العصر المملوكي وإعدام الإسلامبولي.. ميلاد الشعراوي والقصبجي  

للأيام حكايات، ولكل حكاية تفاصيل وأحداث وشخصيات، وفي هذه السطور نحكي حكايات الأيام.. واليوم هو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *