لم تلبث عفاف أن تركت المركز بعد فترة قصيرة لظروف روتها، وانتقلت لتدريس مادة العلاقات الدولية والقانون الدولي بجامعة حلوان، بالتزامن مع ذلك انتهت تجربة زواجها الأولى، وفي تلك الفترة من السبعينيات تحكي عن المواقف والمضايقات التي تعرضت لها جراء موقفها الرافض لمعاهدة السلام التي أبرمها السادات وجهرها لرفض ممارسات النظام آنذاك، ضيق عليها الخناق ودفعها للسفر مرة أخرى إلى أمريكا رفقة زوجها الثاني، وهو أمريكي عاش في مصر وأحبها، فأسلم ليتزوجها وعاشا سويًا حتى رحل.
تسرد عفاف مشوارها في أمريكا من منتصف الثمانينات حتى وفاتها منذ شهور قليلة وكيف مرت كل هذه السنوات وفيما مرت، وتحولاتها من العمل في مجال القانون إلى مجال التحليل النفسي وافتتاح عيادة ثم اعتزالها ذلك، وتحولها إلى الاهتمام بالقضايا النسوية والإنسانية في العمل الأهلي ومع الأمم المتحدة وما عرفته وعاشته في هذه الفترة هي شديدة الخصب والثراء سواء في الأشخاص التي عملت معهم أو في نواحي عطائها الإنساني والعلمي التي تنوعت وتمددت وألقت بظلالها على محيطها.
في نهاية السرد نكتشف أننا أمام جدارية ضخمة شديدة العذوبة والجمال، تفاصيلها من فسيفساء هي مواقف من حياة عفاف الإنسانية التي اتسمت في أغلبها بالصدق والاتساق مع النفس، صدق التساؤل وصدق البحث عن إجابات، والانحياز لكل ما هو إنساني. فهو حكي شديد الصراحة والجرأة وكتابة كاشفة لجيل أو عدة أجيال ممن أثروا في واقعنا الثقافي والسياسي والقانوني والاجتماعي سلبًا وإيجابًا، حكي يعري تناقضات المجتمعات الشرقية والغربية على السواء فلكل أزماته الأخلاقية والسياسية.
كان سينقص المكتبة العربية شيء ما لو لم تحك عفاف محفوظ سيرتها المعتبرة للصحفي النابه خالد منصور، فشكرًا له على الكتابة العذبة والاسترسال الذكي. وشكرًا لدار الكتب خان للنشر على إتاحة هذه السيرة الهامة للقارئ كعادتها.
أما السيدة عفاف محفوظ، الإنسانة من قبل ومن بعد لها مني التقدير والاحترام ولروحها السلام والمحبة والسكينة.
شهرزاد
