“من دكة الريف إلى عرش الغناء”.. كيف أدارت أم كلثوم عبقريتها؟
شهرزاد
2026 يونيو 01
تاريخ, حكايا الإنسان, حكايا الفن, موسيقى
كتب: هاني سمير
تخيل ألا تبدأ رحلة كوكب الشرق من مسارح الأوبرا الفخمة، بل من مفارقة درامية أشبه بالمشاهد السينمائية؛ فتاة ريفية صغيرة تتخفى في زي صبي لتتمكن من الغناء وسط منشدي الدلتا! هذا التحول هو الخيط الذي تغزله الأكاديمية وعميدة معهد الموسيقى العربية الدكتورة رتيبة الحفني في كتابها التوثيقي “أم كلثوم: معجزة الغناء العربي”؛ حكاية تأخذنا إلى ما وراء كواليس الصوت، لنتأمل كيف صنعت تلك الفتاة بذكائها أسطورة هزت عروش الملوك والرؤساء.
في قرية “طماي الزهايرة” بالدقهلية، انبعثت النغمة الأولى من بيت ريفي بسيط. كان الأب منشداً يعلم ابنته الحفظ والإلقاء، ولأن تقاليد الريف وقتها كانت صارمة، طافت أم كلثوم القرى بزي ولد لسنوات، حتى جاء عام 1915 وحمل معه قفزة غير متوقعة؛ حين ارتفع أجرها ليصل إلى 150 قرشاً دفعة واحدة! هنا فتحت الصدفة أبوابها؛ حيث دُعيت للغناء في قصر “يكن باشا” بحلوان، ليلتقط صوتها الشيخ “أبو العلا محمد” ويبدأ في توجيه تعبيرها الصوتي والجسدي، وينصح أسرتها بضرورة السفر إلى العاصمة. وهو ما أكده الملحن “زكريا أحمد” الذي زارها بنفسه وتنبأ لها بمستقبل باهر، مقنعاً الجميع بأن مكان هذه الموهبة هو القاهرة، لتبدأ الرحلة الحقيقية عام 1922.
حين وطئت أقدام أم كلثوم أرض العاصمة، لم تكن مجرد مطربة تبحث عن مساحة آمنة أو تقلد السائد؛ بل أسست فرقتها وقررت بجرأة أن تكسر النمط الذي تميزت به سلطانات ذلك العصر مثل منيرة المهدية وفتحية أحمد. اختارت أن تشدو بالقصائد الفصحى والكلمات الراقية مع ألحان متطورة وصادمة للذوق التقليدي وقتها. هنا تكشف لنا رتيبة الحفني عن عبقرية أخرى للست بجانب حنجرتها، وهي “ذكاء إدارة الموهبة”؛ فبينما كانت المعارك الصحفية والخلافات الفنية تستهلك مطربي جيلها ، كانت أم كلثوم تواجه العواصف ، وترد بقوة أعمالها الفنية فقط، حتى تربع حبها في وجدان الجمهور الذي راح يغزل لها ألقاباً أشبه بالهالة الأسطورية؛ فصارت “كروانة مصر”، و”أميرة الإنشاد والغناء”، وأخيراً “كوكب الشرق”.
مع الوقت، لم يعد تأثير أم كلثوم مجرد ظاهرة غنائية، بل تحولت إلى ما يشبه “المؤسسة السيادية” في الدولة. يروي لنا الكتاب كيف كانت صوتاً حاضراً في كل المفاصل التاريخية؛ فهي التي افتتحت بصوتها الإذاعة المصرية عام 1934، وغنت في افتتاح جامعة الدول العربية عام 1946، وكانت من نجوم حفلات افتتاح التلفزيون المصري عام 1960، بل وقادت بنفسها تأسيس أول نقابة للموسيقيين عام 1943 وترأستها لسنوات لحماية حقوق الفنانين. هذه الكاريزما الاستثنائية جعلت الملوك والرؤساء يتسابقون لتكريمها؛ فنالت وسام الكمال من الملك فاروق، ونيشان الرافدين من ملك العراق فيصل الثاني، ووسام الأرز من لبنان، ووسام الكفاءة الفكرية من ملك المغرب الحسن الثاني، وصولاً إلى قلادة الاستحقاق من الرئيس جمال عبد الناصر.
ولعل الفصل الأكثر تميزا في حكايتها يتجلى بعد نكسة 1967، حين تحولت الفنانة إلى دبلوماسية شعبية، فجابت عواصم العالم في حفلات تاريخية بهدف جمع التبرعات للمجهود الحربي، مطوعةً علاقاتها المعقدة بأهل الفن والسياسة وما فيها من شد وجذب لخدمة وطنها.
في نهاية الحكاية، تخلص الدكتورة رتيبة الحفني إلى رؤية دافئة وعميقة: إن معجزة أم كلثوم لم تكن كامنة في أوتار حنجرتها الفذة فحسب، بل في ذلك “العقل الصارم” والإخلاص الشديد اللذين أدارا هذا الصوت؛ ولهذا السبب تحديداً، بقيت “الست” متربعة على عرش القلوب دون منافس حتى بعد وفاتها عام 1975.