أحدث الحكايا

من صحراء البارون إلى منارة الأدب.. التاريخ الخفي لـ «مصر الجديدة»

أبصرت “واحات هليوبوليس” أو “مصر الجديدة” النور عام 1905 على يد البارون إمبان وبوغوص نوبار باشا، وفق فلسفة عمرانية فريدة جمعت بين الهندسة والهوية؛ إذ اشترطت عقود التأسيس البناء على سُدُس مساحة الأرض فقط وترك المساحة المتبقية للصحراء والمسطحات المفتوحة، مع فرض طراز “المملوكي الحديث” حفاظاً على البصمة المعمارية للقاهرة الخديوية، بالتوازي مع ربط الحي بقلب العاصمة عبر خط السكة الحديد (الترام). ولجذب السكان، صُممت مدينة ملاهي “لونا بارك”، وضُمت المساجد والكنائس والمعابد، إلى جانب قصر البارون وقصور الأثرياء، مع تقسيم الحي اجتماعياً واقتصادياً ليضمن استيعاب شرائح متنوعة.

في هذا الفضاء العمراني الذي صُمم ليعكس صعود الطبقة البرجوازية والوسطى العليا في مصر، عقدت منصة “بساط” أمسية ثقافية بعنوان “مصر الجديدة.. قرن من التاريخ”، أطل خلالها الدكتور فهر محمود شاكر ليرسم بورتريه معمارياً وإنسانياً لحيّ لم يكن مجرد امتداد غربي للعاصمة، بل مشروعاً لإعادة تشكيل العلاقة بين المكان وسكانه.

وجمع الحي تركيبات سكانية متعددة؛ بدءاً من الجالية الأرمنية التي عدّت مصر الجديدة أبهى إنجازاتها، مروراً باليونانيين والإنجليز والفرنسيين، وصولاً إلى هجرات المثقفين والأسر الميسورة التي فرت من زحام القاهرة بحثاً عن الهدوء وسهولة المواصلات، وهو ما منح الحي طابعاً حيوياً ميزه عن أستقراطية “جاردن سيتي” و”الزمالك”.

توالت الأسر الأدبية على الحي، وكان الأديب محمد عبد القادر الشاعر والشاعر حسن الصيرفي من أوائل من سكنوه، ليغدو الحي مركزاً لحراك ثقافي ضخم شهد صدور مجلتين فارقتين هما “الرسالة” و”العصور”. وتوقف د. فهر عند سيرة أسرة الشيخ محمد شاكر ـ من أشراف تلمسان الذين استقروا بالصعيد قبل الانتقال للقاهرة ـ والتي شكلت ركناً في الحياة الدينية والأدبية؛ بدءاً من زواج الشيخ بابنة هارون عبد الرازق مفتي الديار المصرية، وصولاً إلى نتاج ولديه محمود وأحمد، واستحضار واقعة دخول والده محمود شاكر الجامعة عام 1925 حين هدد طه حسين بالاستقالة لأحمد لطفي السيد إن لم يُقبل شاكر بها.

عكس هذا التاريخ الشفاهي كيف تحولت “مصر الجديدة” من مشروع استثماري لرجل أعمال بلجيكي إلى شريان حي في جسد القاهرة، ومركز للتنوع السكاني والثقافي، ومرآة صافية للتحولات المصرية عبر مئة عام.

 

عن هاني سمير

الكاتب هاني سمير كاتب وصحفي مصري، يركز مشروعه على تبسيط الأدب وتقريب التراث العربي للقارئ المعاصر. شق طريقه من خلال تجارب صحفية مهمة في جريدة "الشروق" ومنصة "أراجيك"، إلى جانب إسهاماته في منصات عربية وأجنبية متعددة مثل "إضاءات" و"رصيف 22". في رصيده الإبداعي مجموعة قصصية بعنوان "حياة قصيرة"، ويعمل حالياً على تعميق دراسته برواق العلوم الشرعية والعربية في الأزهر الشريف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *