طلبت طبيبتي كتابة خطاب إلى الله أعاتبه فيه، فعجزت عنه لأكثر من مرة، وفي جلسة أخرى طلبت كتابة خطاب إلى إحدى حبيباتي أيام المراهقة، ترى أنني أحمل لها اعتذارا لاختفائي المفاجئ عنها. محظوظ أنا بالطبيبة التي ساقتني إليها كثرة أزماتي مؤخرا، فهي خفيفة الروح، حالمة، ورومانسية، وجميعها صفات تشجعني على تغييرها والبحث عن طبيب آخر، فقد سئمت الرومانسية، وسئمت الحالمين.

أترك تدريباتي المطلوبة من تنفس وغيره وأعيش مع الخطابات القديمة، أقلب فيها جيدا، أقرأها كلمة كلمة، وأسرح بخيالي مع أسرارها؛ فمهما كانت بسيطة إلى العالم الخارجي فهي كل شيء إلى أصحابها.
أغلب الخطابات تدور حول الحب، إما افتقاده لسفر الحبيب، أو جفوة لحزن بينهما، أو شوق ولوعة، ورغبة في اللقاء، أو سعى إلى الله وأمل في جوار أوليائه. كلها خطابات في فلك الحب. ربما كان ذلك مؤشرا آخر إلى أن أزمتي في الحب، ربما لو أحببت زال الألم. لكن.. أنا أحب فعلا، ومع ذلك الألم موجود، هل قصدت الخطابات الحب بمعناه الأكبر، حب الله؟ لكن كيف أحبه وأنا أحمل في قلبي عتابًا منذ سنين طول، منذ سوط أبي وصوته، فلم يظهر ليمنعهما عني، وفي كل مرة آلمني سوط أحدهم خلال ثلاثة عقود تركني أتألم.
الموضوع مرهق بالفعل، طلبت من الطبيبة الحديث في شيء آخر، ومرت أكثر من جلسة وأنا أتحدث عن مواضيع مختلفة لا علاقة لها ببعضها، مثل: غزة، فلسطين، المعارضة، ولماذا يجب أن يكون المثقف على يسار السلطة؟ وعن قطع الأشجار، وعن أصحابي من اليمين الليبرالي واتهامهم المستمر وطعنهم في أفكاري ومدى جديتها، وعن اليسار المريض الذي رحل وتركنا نطوف حول أحلام الماضي.
وفي آخر جلسة أخبرتني الطبيبة أن الموعد المقبل مؤجل لما بعد العيد. أظنها فرصة مناسبة لزيارة أبي في مقابر العائلة بمحافظة بني سويف، لم أذهب إلى مسقط رأسي منذ أعوام توقفت عن عدها، ربما كانت تلك الرحلة فرصة للبدء من جديد!
أرى نفسي طائرا بجناحين من نافذة شقتي، ليس حلما إنما تفكير يأسرني طيلة يومي، وأراني أقفز بطريقة بهلوانية لأستقر على قضبان المترو، وعندما يقترب أمد يدي مثل سوبر مان فيتوقف ثم يستقبلني الناس استقبال أبطال مارفل
شهرزاد