أستاذ السيد عبد الحميد.. الرجل الذي علمنا معنى الديمقراطية (٢)

كان فصلنا من ثلاثة صفوف. صفان للتلاميذ، وصف للتلميذات. وكان الأستاذ السيد رائد فصلنا عليه أن يختار أحد تلاميذ أو تلميذات الفصل ليكون (أو لتكون) رائد الفصل. لكنه لم يختر بنفسه، بل تركنا نختار بانتخابات ديمقراطية.

شرح لنا معنى الانتخابات، وأهميتها، وضرورة أن تكون نزيهة، ومراحل العملية الانتخابية، فمن يريد أن يرشح نفسه لابد أن تكون به شروط محددة، أهمها رغبته وقدرته على خدمة زملائه. ومن ينتخب أحد المرشحين لابد أن يحكم ضميره، لا يختار مرشحًا لمجرد أنه صديقه، بل يفكر أي المرشحين أصلح لأداء المطلوب منه.

رشحت نفسي، لا أعرف هل لأنني ظننت قدرتي على أداء مهمة رائد الفصل، أو حتى إذا ما كنت فهمت بالضبط المطلوب مني لأداء هذه المهمة، لكني أحببت أن أجرب. وترشح أيضًا زميل وزميلة. ونجحت باكتساح، حصلت على أغلبية أصوات التلاميذ، وكل أصوات التلميذات عدا صوتي صديقتي المرشحة المقربتين.

فرحت بنجاحي الساحق الماحق كما كان أحد المعلقين الرياضيين يقول وقتها، واحتفلت بالفوز مع زملائي، ثم اكتشفت الجزء الأصعب في الديمقراطية، أن تكون على قدر المسؤولية التي منحها لك منتخبوك. كان مطلوبًا مني أن أكون مساعدًا لرائد الفصل، أرصد درجات الطلاب، أجمع منهم الكراسات ليصححها الأستاذ، ثم أعيدها إليهم، أشتري ورقًا مقوى لعمل لوحات توضع في الفصل، وكان أحد أعمامي وأحيانًا والدي يرسمها بدلًا مني طبعًا، أقف على الفصل بمعنى أن أقف في مكان الأستاذ عندما يتأخر أو يعتذر أحدهم عن حصته، وأكتب على السبورة اسم من يثير جلبة. وقد أخذت دوري هذا بجدية كانت أحيانًا تضايق زملائي وزميلاتي الذين يتعرضون للعقاب لكتابتي أسمائهم على السبورة.

في العام التالي، نظم أستاذ السيد عبد الحميد انتخابات جديدة لاختيار رائد سنة ثالثة أول، رشحت نفسي بالتأكيد، وترشح تلميذ وتلميذة أيضًا. وفي هذه الانتخابات مارست الجانب “السيء” من الديمقراطية.

كان ترشحي هذه المرة لأختبر فكرة تخصني وليس للعمل من أجل الفصل؛ هل أدائي خلال العام الماضي زاد من محبة الزملاء في أم قللها، هل هناك من كرهني لأنه تعرض للعقاب بسببي؟ هل هناك من غار مني للمكانة التي حصلت عليها في الفصل وجعلتني أقربهم إلى محبوبنا جميعًا الأستاذ السيد عبد الحميد؟

كما أن الغرور أصابني لدرجة كنت أظهر أمام المرشحين الآخرين ثقتي المطلقة بالفوز، لدرجة جعلتني أتفق مع المرشح الآخر “أشرف بندر” أن أتنازل له عن ريادة الفصل بعد فوزي، شرط أن لا يكون له سلطان علي، فأكون التلميذ الوحيد الذي لا يكتب اسمه على السبورة مهما فعل، ولا يطلب مني المشاركة في أي عمل. وقد تواطأ معي أشرف الذي كان واثقًا أن هذه “التربيطة” هي التي ستجعله رائدًا للفصل لأنني بالتأكيد سأفوز.

فزت بالاكتساح نفسه الذي حدث في العام الماضي. واعتذرت للأستاذ السيد عن إكمال المهمة متنازلًا لأشرف عن ريادة الفصل، هاج التلاميذ والتلميذات غضبًا، أخبرني الأستاذ السيد أنه كان يجب علي أن لا أرشح نفسي ما دمت أنوي الانسحاب منذ البداية، وأن ما فعلته قانوني إجرائيًا، لكنه غير جيد أخلاقيًا. أفهمني أن النظم والقوانين قد تكون جيدة في حد ذاتها، لكن المهم كيف نمارسها بروح متجردة من المصلحة الشخصية والأنانية، أكد أنه علي أن أفكر كثيرًا فيما فعلت، وأحرص على التعلم من هذه التجربة/السقطة الكبيرة، لأنني إذا وعيتها وتعلمت منها ستكون من الأشياء الجيدة التي حصلت لي في حياتي، أما إذا مرت دون تفكير وندم فسوف أندم كثيرًا في حياتي القادمة، لأن معنى أن تمر هذه التجربة دون توقف حقيقي عندها أنني لم أعترف بخطئي، ولم أعتذر عنه، وبالتالي سأكرره.  فشعرت بالخزي من نفسي لفترة طويلة. وقررت عدم خوض أي انتخابات في حياتي لأي سبب. وربما بدأ منذ هذا الموقف هوسي بفكرة القانون والالتزام به بأقصى قدر من الموضوعية، وهو الهوس الذي كثيرًا ما يسبب لي مشاكل في عالم يفكر كباره وبعض مؤسساته مثلما كنت أفكر وزميلي أشرف ونحن أطفال!

علمت أثناء دراستي في المرحلة الثانوية أن الأستاذ السيد عبد الحميد توفاه الله شابًا في حادث ما، وقال البعض أنه مات بمرض لا أذكره. ولم تكن لدي وسيلة للتأكد من الخبر. لكنني حزنت كثيرًا لأن تلاميذ آخرين فقدوه، ولن يستطيعوا أن يتعلموا منه. لكن هل مثل هذا الرجل يموت؟ إنه حي بداخلي، وبداخل كل تلميذ تعلم منه شيئًا، ونقل هذا العلم الأكاديمي أو العلم بالحياة إلى غيره، سيظل هذا الرجل فكرة تنتقل من شخص لآخر، يثاب على أعمال يقوم بها أناس لا يعرفونه ولم يعرفهم.

أرجو من الأساتذة الإمبراطور والأسطورة والملك الذين يملأون الشوارع ومواقع التواصل بلافتاتهم، ثم لا يعلمون أبناءنا شيئًا حقيقيًا لا مما في الكتب ولا من الأخلاق؛ أن يتذكروا أستاذًا مثل السيد عبد الحميد، ليختاروا ما هو خير وأبقى.

عن منير عتيبة

روائي وقاص وكاتب للأطفال والدراما الإذاعية، مؤسس ومدير مختر السرديات بمكتبة الإسكندرية، رئيس تحرير سلسلة كراسات سردية التي يصدرها مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية، مقرر لجنة السرد القصصي والروائي بالمجلس الأعلى للثقافة، عضو لجنة القصة بالمجلس الأعلى للثقافة (2013 - 2019)، وقد حصل على العديد من الجوائز منها جائزة اتحاد الكتاب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *