أحدث الحكايا

سميرة موسى..قصة اغتيال عالمة ذرة مصرية (٢)

كان متاحًا لسميرة الالتحاق بكلية الهندسة، لكنها، ككل صاحبة شغف، فضّلت الالتحاق بكلية العلوم. وفي تلك الكلية، التي كان عميدها آنذاك واحدًا من أنبغ علماء العالم، الدكتور علي مصطفى مشرفة، كان أول من تنبّه إلى نبوغ الطالبة الجديدة، فتبنّاها علميًا، وتأثرت به على مختلف المستويات. تخرجت سميرة عام 1939 حاصلة على المركز الأول على الكلية، واستحقت التعيين أول معيدة في تاريخ كلية العلوم. وعندما رفض الأساتذة الأجانب هذا التعيين، قدّم مشرفة استقالته إلى رئيس الجامعة، ولم يتراجع عنها إلا بعد صدور قرار تعيينها رسميًا.

 

 

1bcbd6ee-e528-4bda-9050-bcd3301f4a76-677x1024.jpeg

سميرة موسى

 

حصلت سميرة موسى على درجة الماجستير بعد عامين فقط من تخرجها، وكان موضوع رسالتها التوصيل الحراري للغازات. ثم حصلت على منحة لدراسة الدكتوراه في بريطانيا في مجال الإشعاع النووي. وبالفعل، أنجزت رسالتها خلال عام ونصف، وقضت ما تبقى من العام الثاني في أبحاث متصلة، استطاعت خلالها التوصل إلى طريقة لإنتاج الطاقة الذرية من المعادن الرخيصة، وهي الطريقة التي لم تلقَ استحسان الإنجليز في ذلك الوقت.

 

2021-637503823434176813-417.jpg

 

وبعد عودتها بفترة وجيزة، أسهمت عام 1948 في إنشاء هيئة الطاقة الذرية المصرية. ثم توالت الدعوات للمشاركة في المحافل والمؤتمرات العلمية، لتكون واحدة من أصغر العلماء سنًا في هذا المجال. ومن بين هذه الدعوات، الدعوة التي وصلتها من الولايات المتحدة الأمريكية في أواخر عام 1951، للاطلاع على أحدث الأبحاث في مجال الطاقة الذرية.

 

2021-637503823427522460-752.jpg

 

سافرت سميرة موسى إلى الولايات المتحدة، حيث قامت بجولة في جامعاتها ومعاملها. وخلال هذه الجولة، عُرضت عليها الجنسية الأمريكية أكثر من مرة، لكنها رفضت بشدة، وأصرت على العودة إلى مصر لخدمة العلم فيها. وخلال هذه الرحلة، أرسلت إلى والدها عدة خطابات، ربما كانت السبب الرئيسي في مقتلها، إذ ذكرت في أحدها:

 «لقد استطعت أن أزور المعامل الذرية الأمريكية، وعندما أعود سأستطيع أن أقدم لبلادي الكثير في هذا المجال وأخدم قضية السلام».

دفع ذلك والدها إلى الشروع في شراء قطعة أرض بمنطقة الهرم، ليبدأ في إنشاء معمل خاص لها. غير أن سميرة لم تعد من تلك الرحلة، إذ لقيت حتفها في حادث سيارة غامض أثناء توجهها لزيارة أحد المعامل. وتشير روايات عدة إلى أن الحادث قد يكون مدبرًا، بسبب ما امتلكته من معرفة علمية حساسة، وإصرارها على العودة إلى مصر.

وتذهب بعض التفسيرات إلى احتمال تورط الموساد، خاصة مع ثبوت تورطه لاحقًا في اغتيال علماء مصريين وعرب، غير أن التفاصيل المتعلقة بهذا الحادث تحديدًا ما زالت غير مؤكدة.

 

b318732d-bd16-422e-b752-e58a2a2cae55.jpeg

جنازة سميرة موسى

 

اقرأ أيضاً …سميرة موسى.. قصة اغتيال أول عالمة ذرة مصرية

 

لم تكن سميرة موسى مجرد عالِمة، بل كانت إنسانة متعددة الاهتمامات. فقد أحبّت الموسيقى، وعزفت على العود، وكتبت النوتة الموسيقية. كما كانت تهوى التصوير الفوتوغرافي، وخصصت في منزلها ركنًا لتحميض الصور.

إلى جانب ذلك، مارست الأشغال المنزلية الشائعة في مصر، مثل الخياطة والتريكو، وكان لها حضور مجتمعي واضح؛ إذ شاركت في ثورة الطلاب عام 1932، وأسهمت في مشروع القرش الخيري الذي أشرف عليه الدكتور علي مصطفى مشرفة. كما شاركت في جمعية الطلبة للثقافة العامة، التي هدفت إلى محو الأمية في الريف المصري، فضلًا عن العديد من الأنشطة الأخرى التي أكدت ارتباطها العميق بمجتمعها وجذورها.

 

ed71e1d7-722f-4361-babd-7982444abd1e.jpeg

 

 

ويبقى السؤال:

لماذا يتم تجاهل أسماء مثل سميرة موسى، التي كان يمكن أن تغيّر خريطة العلم في مصر والمنطقة؟

ولماذا يظل تكريمها محصورًا في مظاهر رسمية محدودة، مثل إطلاق اسمها على مدرسة؟

ولماذا توقف مشروع المسلسل الذي كتبه بشير الديك، وكان من المقرر أن تقوم ببطولته ندى بسيوني عام 2018؟

وكيف يمكن إعادة تقديم سميرة موسى بوصفها أيقونة حقيقية للهوية الوطنية والعلمية؟

 

 

 

عن د. هيثم الحاج علي

شاعر وناقد، أستاذ مساعد الأدب العربي الحديث والنقد بكلية الآداب جامعة حلوان. شغل سابقا العديد من المناصب في وزارة الثقافة المصرية مثل: رئيس مجلس إدارة الهيئة المصرية العامة للكتاب، أمين عام المجلس الأعلى للثقافة، رئيس مجلس إدارة جريدة القاهرة الصادرة عن وزارة الثقافة المصرية، له العديد من الكتب النقدية والإبداعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *