بينما كان عميد الأدب العربي طه حسين يستعد لنيل درجة الدكتوراه في باريس، بدأ يُملي سيرته الذاتية “الأيام”، متبعاً أسلوبه الفذ في غربلة الذاكرة، وصياغة تجربته الإنسانية في قالب رصين، بدا أقرب إلى كشف حساب يكشف أدق تفاصيل النفس والمجتمع. اعتمد العميد آنذاك على ثلاثية: “الحبر، والورق، والقارئ”؛ فلم تكن الكلمة تُخط إلا بعد تفكير وتأنٍّ، لتخرج حاملة فلسفة الكاتب في قالب فني بديع.
على النقيض تماماً، نجد اليوم من يجلس خلف الشاشات، ليدوّن عبر منصات التواصل الاجتماعي (“فيسبوك” أو “إكس”) لقطات من حياته اليومية بوصفها “سيرة ذاتية”، غافلاً عن كونها خاضعة لسطوة الخوارزميات التي تمنحها الرواج أو تحجبها طبقا لمحتواها، مما يدفع كاتبها للتعديل والحذف صيداً للانتشار.
وتتبدى المفارقة هنا في أن كتابة السيرة التقليدية تعتمد بالأساس على التأمل الواعي؛ حيث يطل الكاتب على الماضي من شرفة المستقبل، فيرى الأحداث والشخوص بعين مغايرة بعد انقشاع الضغط النفسي والانفعال اللحظي، مما يتيح له فلترة الحكايات وصهرها أدبياً.
أما السيرة الرقمية، فتقتات في المقام الأول على الانفعال اللحظي والكتابة السريعة التي لا تخلو من الهنات؛ فالمدوّن هنا متعطش لـ”اللايكات” وتفاعل المتابعين، واقعاً تحت رحمة الآلة وجمهور افتراضي يملك الكلمة العليا فيما يُنشر. وربما دفعه ضعف التفاعل إلى محو تدوينته، أو قاده تعليق حاد إلى تبديل رأيه؛ لتتحول السيرة الرقمية إلى مزيج مشوه يفتقر للخط الدرامي والعمق الإنساني، ويبقى دوماً في حيز التعديل والاستجابة لإملاءات الآخرين.
لهذا، تظل السيرة الذاتية المبنية على التنقيح والفلترة الفنية هي الأبقى والأقرب لعقل القارئ؛ إذ يخبرنا المفكر أحمد أمين في سيرته “حياتي” أنه إنما يؤرخ لينقل جوانب وأنماط الحياة في عصره للأجيال القادمة.
أما مدوّن السيرة الرقمية فيخاطب أبناء جيله بما يطرأ على ذهنه فوراً، دون مسافة زمنية تفصله عن الحدث، لتصبح كتابته مجرد ركض خلف الوجود اللحظي، عاجزة عن تقديم وجبة فكرية ناضجة تطعم العقل وتدوم للزمن.