أحدث الحكايا

“أصداء السيرة الذاتية”..الحكمة قبل الحكاية عند نجيب محفوظ

كتب.. هاني سمير

في عصر يوم الجمعة، 14 أكتوبر 1994، خرج نجيب محفوظ كالعادة متوجهًا إلى كازينو قصر النيل ، وبينما كان يهم بركوب سيارة صديقه الدكتور فتحي غانم، تقدم شاب من محفوظ وطعنه بسكين في رقبته، وذلك في الذكرى السادسة لحصوله على جائزة نوبل.

ولكن عناية الله كانت أقرب إليه من ألم السكين؛ فتم إنقاذه وبدأ يتماثل للشفاء تدريجيًا، وهنا انتبه محفوظ إلى أنه لم يدون مذكراته رغم تجاوزه الثمانين عامًا، ومع نصيحة الأطباء له بممارسة الكتابة كجزء من العلاج الطبيعي ليده اليمنى، التي أصابها شبه شلل نتيجة الحادث، بدأ يمسك بالقلم يوميًا ليرسم الأحرف مجددًا، ويدون ما يشبه لمحات أو ومضات من حياته الحافلة بالذكريات، والخبرات الشخصية، والتأملات الفكرية، في كتاب عُرف بـ “أصداء السيرة الذاتية” وصدر عام 1995، أي في العام التالي لمحاولة اغتياله.

 

 

من مقتنيات متحف نجيب محفوظ

 

 

وفي هذا الكتاب، جمع محفوظ أصوات الحياة الممتدة التي عاشها وسكنت روحه؛ فنجد الشيخ “عبد ربه التائه”، ذلك القناع الذي يخفي خلفه محفوظ أفكاره الفلسفية والدينية وطابعه الصوفي الذي اكتسبه من الحارة المصرية العامرة بالمساجد، والتكايا، والعادات، والتقاليد، والموروثات الشعبية، وحيرة الإنسان فيها ما بين الشك واليقين، والخوف والأمان، وغيرها من المشاعر الإنسانية التي تطوف بالمرء في رحلة العمر.

فهو لم يسرد في “الأصداء” يوميات أو أحداثًا مباشرة، بل حكى فيها عن الحكمة التي سكنته وأثرت فيه، مستعينًا بالرمزية بدلاً من الكتابة المباشرة؛ فهو يحكي رؤية للأشياء كالطفولة، أو الأهل، أو الأصدقاء، أو الوظيفة، أو العدل، أو التاريخ.

وهكذا، ينتقل بحرفية وتناغم عذب من مشهد إلى آخر بما يشبه الحكمة أو خلاصة التجربة الإنسانية في سطر واحد أو مجموعة أسطر، بشكل مكثف أشبه بالطلقة أو النبضة، وفي ذلك تتجلى عبقرية محفوظ الذي حول المحنة إلى منحة، والذكريات إلى حكمة تعيش بين الناس.

 

 

 

عن شهرزاد

المحرر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *