أحدث الحكايا

حين يتنفس الحجر.. المكان كبطل في أدب مريم عبد العزيز

لم يكن غريباً أن تنضج في حكايات مريم عبد العزيز رائحة الحجر وذاكرة الأزقة والحارات القديمة؛ فدراستها للهندسة وانشغالها الميداني بتوثيق الآثار الإسلامية وترميمها ظلا حاضرين بقوة في عالمها السردي، حيث تحول المكان لديها من مجرد خلفية صامتة للأحداث إلى شخصية رئيسية تحرك مصائر الأبطال.

بدأت مريم مسيرتها الأدبية من بوابة القصة القصيرة بمجموعتها الأولى “مقام راحة الأرواح” (2016)، إلى جانب كتابة نصوص متفرقة والمشاركة في صياغة سلسلة “ونيس الليل”، قبل أن تنتقل إلى الفضاء الروائي الفسيح بروايتها “هناك حيث ينتهي النهر” (2022) الصادرة عن دار “الكتب خان”، والتي بلغت القائمة القصيرة لجائزة ساويرس الثقافية لشباب الكُتاب عام 2023، مؤكدةً حضورها كصوت روائي يستحق المتابعة.

وفي أحدث أعمالها “لونجا” (2024)، يتجلى نضجها في غزل خريطة إنسانية متشابكة؛ إذ تتناثر الخيوط السردية عقب العثور على جثة عازف عود في حي عابدين بالقاهرة، ليتحول الحي بشوارعه المتداخلة وذاكرته الساحرة إلى شاهدٍ على الجريمة والخطيئة، في نصٍّ يُصاغ ببراعة المقطوعة الموسيقية التي تعرف متى ترتفع ومتى تهمس.

تكتب مريم عبد العزيز بإيقاع هادئ يمنح المفردات مساحة لتتنفس، مائلةً إلى الشفافية البصرية على حساب الاستعراض اللغوي، ومطعمةً نصها بصور شعرية تمنحه موسيقى داخلية واضحة، تجعل من اللغة وسيلة للكشف عن أوجاع الإنسان لا لمجرد التزيين. يتجلى ذلك أيضاً في مشاركتها بسلسلة “ونيس الليل” المستوحاة من “ألف ليلة وليلة”، حيث أعادت صياغة الحكايات الشعبية بلغة معاصرة، مستثمرةً شغفها بالتراث بوصفه كنزا لا ينضب يحمل خبرات الأجيال.

إن المشروع الثقافي لمريم عبد العزيز يتجاوز سرد الحكايات ليصبح فضاءً مفتوحاً للتأمل في المكان والإنسان والهوية؛ تكتب مخافة النسيان، وبحسٍّ هندسي دقيق يُرمم الذاكرة.

 

 

عن هاني سمير

الكاتب هاني سمير كاتب وصحفي مصري، يركز مشروعه على تبسيط الأدب وتقريب التراث العربي للقارئ المعاصر. شق طريقه من خلال تجارب صحفية مهمة في جريدة "الشروق" ومنصة "أراجيك"، إلى جانب إسهاماته في منصات عربية وأجنبية متعددة مثل "إضاءات" و"رصيف 22". في رصيده الإبداعي مجموعة قصصية بعنوان "حياة قصيرة"، ويعمل حالياً على تعميق دراسته برواق العلوم الشرعية والعربية في الأزهر الشريف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *