أحدث الحكايا

من رحم دار العلوم إلى فن الكوميديا.. الوجه الآخر لفؤاد المهندس

قبل أن يلقّبه الجمهور بـ «الأستاذ»، ويضحك لحركاته على خشبة المسرح وشاشة السينما، وُلد فؤاد المهندس في 6 سبتمبر 1924 بحي العباسية في القاهرة، داخل بيت لا يفارقه الكتاب؛ فأبوه هو العالم اللغوي زكي المهندس، عميد كلية دار العلوم وعضو مجمع اللغة العربية، وأحد أبرز علماء عصره، وهو بيت طالما استضيف فيه صالونات ثقافية وفنية يحضرها كبار الأدباء والمثقفين.

في هذا المناخ الذي كانت تفوح فيه رائحة الفصحى، حيث تُقرأ أمهات الكتب وتُلقى القصائد، تشكّل وعي فؤاد المبكر فأتقن العربية على يد والده. ورغم أنه لم يقدم عملاً فنياً بالفصحى طوال مشواره، ظل إجلاله للغة حاضراً في تفاصيل أدواره، وأبرزها شخصية «ياقوت أفندي» في مسرحية «السكرتير الفني».

وبعد تخرجه في كلية التجارة عام 1948، عمل مشرفاً للنشاط الاجتماعي في جامعة القاهرة، حيث وجد في مكتبتها ملاذاً ليقرأ نهاراً عن تاريخ المسرح وأصول الإخراج، بينما كان يذهب ليلًا إلى مسرح نجيب الريحاني، يراقبه بتأمل ليتعلم منه فن الأداء، وكيف تصنع الموسيقى والإضاءة والإيقاع لحظة التأثير في الجمهور.

هذا المزج الفريد بين المعرفة النظرية والتجربة الحية أثمر لاحقاً «الأستاذ» الملم ببنية العرض المسرحي كاملة؛ من توزيع الأدوار واختيار الموسيقى، إلى طريقة الصعود إلى الخشبة. وهي تفاصيل تعلمها بالملاحظة الدؤوبة قبل أن يتقنها بالممارسة، تماماً كما يتضح في مسرحياته الخالدة مثل: «سيدتي الجميلة»، و«أنا وهو وهي»، و«السكرتير الفني»، و«أنا فين وأنت فين»، و«أنا وهي وسموه»، و«إنها حقاً عائلة محترمة»، و«سك على بناتك»، و«هالة حبيبتي»، و«علشان خاطر عيونك».

وتجلى الحضور الموسيقي بوضوح في تكوينه الفني، لا بوصفه مجرد إثبات لموهبة الغناء، بل كأداة ذكية تخدم الشخصية والموقف الكوميدي، بفضل وعيه المبكر بصوته وإيقاع كلامه وتنقله البارع بين النبرات لتوصيل البعد الدرامي والكوميدي معاً.

ومن الطريف أن البيت نفسه الذي غذّى موهبته، هو من ألزمه بإكمال تعليمه الجامعي -برفض من والدته وتفهّم من والده- بدلاً من الالتحاق بمعهد التمثيل. هذا المسار الأكاديمي يفسر قدرته الفذة على الجمع بين الانضباط الصارم وعفوية الكوميديان، وهو ما انعكس أيضاً على حرصه المبكر على استقلاليته الفنية.

فحين رحل الريحاني، لم يندفع للانضمام إلى فرقة قائمة بحثاً عن الشهرة السريعة، بل شارك في تأسيس فرقة «ساعة لقلبك» عام 1953 مع نخبة من نجوم الكوميديا، ليطل على الجمهور بهوية فنية فريدة لا تشبه أحداً. وهو الاختيار ذاته الذي دفعه لاحقاً للاعتذار عن عروض انضمام لفرق مسرحية عريقة، تفضيلًا لأن يبني طريقه الخاص خطوة بخطوة.

هكذا لم يكن فؤاد المهندس كوميديان الصدفة أو الموهبة الفطرية وحدها، بل كان نتاج تربية صارمة قوامها اللغة والكتاب والمسرح؛ صاغت منه فناناً ينظر إلى أدواره بعين الباحث، ويختار مشروعه الفني بمعايير لا يساوم عليها، فالثقافة عنده لم تكن مجرد زينة عابرة، بل جزءاً أصيلاً من روحه ووجدانه الفني.

 

 

عن هاني سمير

الكاتب هاني سمير كاتب وصحفي مصري، يركز مشروعه على تبسيط الأدب وتقريب التراث العربي للقارئ المعاصر. شق طريقه من خلال تجارب صحفية مهمة في جريدة "الشروق" ومنصة "أراجيك"، إلى جانب إسهاماته في منصات عربية وأجنبية متعددة مثل "إضاءات" و"رصيف 22". في رصيده الإبداعي مجموعة قصصية بعنوان "حياة قصيرة"، ويعمل حالياً على تعميق دراسته برواق العلوم الشرعية والعربية في الأزهر الشريف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *