أحدث الحكايا

الطعام في الحضارة الإسلامية.. تاريخ يُقرأ بالنكهات

ارتبط الطعام عند العرب بالكرم، وبه عُرفوا في جاهليتهم، ومع مجيء الإسلام، ترسخت مكانة الطعام والإطعام والولائم؛ إذ غدت المائدة مظهراً جلياً من مظاهر الرقي في الحضارة الإسلامية، بدءاً من تنوع الأطعمة والأشربة، ومروراً بابتكار طرق الطهي المتنوعة، وصولاً إلى التفنن في أساليب تحضير الموائد وتزيينها.

 

ولم يكن هذا الازدهار الغذائي بعيداً عن أعين العلماء والمؤلفين؛ إذ صُنفت العديد من الكتب التي تشرح أصناف الطعام، وصفاتها، ومقاديرها، ومنافعها الطبية ومضارها. ورغم ضياع الكثير من هذه المخطوطات، فإن فهارس التراجم حفظت لنا أسماءها، وفي مقدمتها كتاب “الفهرست” لابن النديم (ت 380هـ) و”كشف الظنون” لحاجي خليفة (ت 1067هـ).

 

وإذا تتبعنا مسار هذه الأطباق تاريخياً، نجد أن الطعام في العصر الأموي حافظ على بساطته؛ متأرجحاً بين اللحم، والثريد، واللبن، والفاكهة، والزلابية، والكنافة، دون اهتمام يذكر بالتدوين في فنون الطهي وعلاقتها بالصحة. لكن التحول الحقيقي حدث في العصر العباسي؛ حيث أورد ابن النديم في “الفهرست” تسعة كتب في فن “الطُّباخة”.

 

 

 

 

 

ورغم هذه الوفرة، لم يصلنا من كتب ذاك العصر سوى كتاب “الطبيخ وإصلاح الأغذية والمأكولات وطيبات الأطعمة” لابن سيار الوراق (القرن الرابع الهجري)، وهو أقدم كتاب طبخ وصلنا كاملاً، ليتلوه في العصور اللاحقة كتاب “الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب” لابن العديم، والذي دمج فيه بين فنون الطهي والتطيب بالعطور.

ومع تعاقب الدول، توالت المصنفات؛ فمن العهد الأيوبي وصلنا كتاب “فوائد الموائد” لابن يحيى المصري الجزار، وفي عهد المماليك برز كتاب “كنز الفوائد في تنويع الموائد” لمؤلف مجهول، واصفاً أسرار المطبخ المصري. أما الأندلس، فأهدتنا كتابين فريدين؛ الأول هو “الطبيخ في المغرب والأندلس في عهد الموحدين” لمؤلف مجهول، والثاني “فضالة الخِوان في طيبات الطعام والألوان” لابن رزين التُّجيبي.

تكشف لنا هذه الأسفار أن الطعام لم يكن مجرد وسيلة لسد الرمق، بل كان مرآة تعكس الرفاه الاجتماعي والعمق الحضاري الذي شكل هوية المجتمع الإسلامي. والمثير للدهشة، أن كتب التراث هذه تضم عشرات الأطباق التي لا تزال تتسيد موائدنا حتى اليوم؛ كالهريس، ولقمة القاضي، والسمبوسة، والطباهجة (التي تطورت إلى روستو اللحم)، والزيرباج (كباب الحلة الحالي)، والمجدرة، والباذنجان المخلل، والنواشف (الفاكهة المجففة)، فضلاً عن المحشي، والفتة، والأرز باللبن؛ أطباقٌ عبرت القرون واختلفت طرق طهيها، لكنها ظلت شاهدة حية على امتداد وتطور التراث الغذائي العربي الإسلامي.

 

 

عن هاني سمير

الكاتب هاني سمير كاتب وصحفي مصري، يركز مشروعه على تبسيط الأدب وتقريب التراث العربي للقارئ المعاصر. شق طريقه من خلال تجارب صحفية مهمة في جريدة "الشروق" ومنصة "أراجيك"، إلى جانب إسهاماته في منصات عربية وأجنبية متعددة مثل "إضاءات" و"رصيف 22". في رصيده الإبداعي مجموعة قصصية بعنوان "حياة قصيرة"، ويعمل حالياً على تعميق دراسته برواق العلوم الشرعية والعربية في الأزهر الشريف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *