أحدث الحكايا

«بعد منتصف الليل» ..رواية تفكك الاغتراب والذاكرة وتحولات المكان

بعد منتصف الليل، حيث تختلط الذاكرة بالهواجس وتتبدل ملامح المدينة، التقت الأفكار في “بيت السناري” بالسيدة زينب لمناقشة أحدث روايات الكاتبة صفاء عبد المنعم، الصادرة عن دار “إضاءات” عام 2025، بمشاركة عدد من النقاد والأدباء. وتتجلى الرواية بوصفها جديرة بالاحتفاء؛ إذ تختصر جانباً مهماً من تجربة كاتبة جعلت من التفاصيل اليومية والذاكرة والموروث الشعبي مادة أساسية لعالمها السردي.

 

 

جانب من حضور ندوة بيت السناري بالقاهرة

 

 

ولدت صفاء عبد المنعم بالقاهرة عام 1960، وهي اسم أصيل في المشهد الثقافي؛ حيث يضم رصيدها نحو ست روايات وخمس مجموعات قصصية، إلى جانب إصدارات في أدب الطفل والدراسات الشعبية. وقدمت في أعمالها تناولات عريضة للمرأة والذاكرة والفقد والمدينة والطبقات الشعبية، مستندة إلى حسّ يلتقط التفاصيل الصغيرة بوصفها سجلاً حياً للناس والأمكنة، وهو ما أهّلها لنيل تكريمات وجوائز عديدة من اتحاد كتاب مصر، ومؤتمر أدباء مصر بالأقصر، وملتقى الشارقة للكتاب.

وتأتي رواية “بعد منتصف الليل” في هذا السياق لكن عبر منطقة أكثر التباساً؛ إذ كتبتها في نحو تسعين صفحة خلال ثلاثة أيام حول شخصية “جيهان”، المرأة التي تنتقل من حي راقٍ إلى حي شعبي، فتجد نفسها في عالم يتبدل من حولها، وتدخل تدريجياً في حالة من التيه تختلط فيها الذاكرة بالهواجس والخوف بالمراقبة. تبدأ الحكاية مع عودة جيهان إلى بيت الأسرة بعد وفاة أمها، لكنها لا تجد في المكان ملاذاً مستقراً؛ فالشارع والخرابة والنافذة والمباني المحيطة تتحول إلى عالم ينهار لم تعد تعرفه. ومع تصاعد الأحداث، يتبلور التساؤل: هل ما تراه جيهان يحدث بالفعل، أم أن الرواية تضع القارئ داخل وعي مضطرب يعيد تشكيل الواقع؟

 

 

 

 

تناولت الكاتبة عبير العطار تنوع تجربة صفاء عبد المنعم الأدبية، متوقفة عند الدلالة اللافتة لثنائية الحمام الأبيض والغربان في مستهل النص، وكيف تنزلق من الطمأنينة إلى التوجس.

 

 

الروائية صفاء عبدالمنعم بصحبة الكاتبة عبير العطار

 

 

هذا الثراء الرمزي يتصل بكثافة البناء الفني للعمل؛ حيث يقف الناقد أحمد صلاح هاشم عند تقنية “الراوي غير الموثوق” بوصفها المحرك الأساسي لتشابك التناقضات داخل السرد. وهو ما يتقاطع مع رؤية الدكتور محمد إبراهيم طه في قدرة الرواية على استدعاء قضايا الوطن والحنين إلى الماضي عبر لغة تتفق ببساطة وعمق.

ولا يقف التحليل عند حدود اللغة والرمز، بل يمتد إلى الجغرافيا وتحولاتها؛ إذ تقرأ الدكتورة إسراء بدوي العمل بوصفه يتجاوز مرثية الحي الشعبي المنهار ليلامس جوهر الاغتراب لدى الإنسان المعاصر، يرصد فيه السرد “لحظة انتصار الزمن وتحلل الأمكنة”.

وفي سياق هذا الطرح الجماعي، يلفت الدكتور محمد سليم شوشة إلى نجاح النص في كسر الرموز الجاهزة والدلالات المستقرة، مع إشارة إلى أن العمل كان سيزداد بريقاً لو حظي بمزيد من التحرير والتدقيق اللغوي.

ويأتي اختيار العنوان «بعد منتصف الليل» ليلخص عتمة النص وإشراقاته في آن واحد؛ إذ يتسع البناء الدرامي للرواية لتفكيك أزمات الذاكرة والمكان، متيحاً عبر نماذجه الأدبية المتنوعة مساحة هادئة لطرح فكرة التغيير، والتعبير عن أسئلة الإنسان المعاصر في مواجهة تحولات بيئته الأولى.

 

 

عن هاني سمير

الكاتب هاني سمير كاتب وصحفي مصري، يركز مشروعه على تبسيط الأدب وتقريب التراث العربي للقارئ المعاصر. شق طريقه من خلال تجارب صحفية مهمة في جريدة "الشروق" ومنصة "أراجيك"، إلى جانب إسهاماته في منصات عربية وأجنبية متعددة مثل "إضاءات" و"رصيف 22". في رصيده الإبداعي مجموعة قصصية بعنوان "حياة قصيرة"، ويعمل حالياً على تعميق دراسته برواق العلوم الشرعية والعربية في الأزهر الشريف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *