أحدث الحكايا

«غرفة المزاج».. الوجه الخفي لشرير الشاشة محمود المليجي

عُرف الفنان محمود المليجي (1910 – 1983) بأدوار الشر التي طاردته طوال مشواره الفني، غير أن خلف هذا القناع الصارم كان يختبئ رجلٌ شغوف بالقراءة والكتابة، وجد في الأدب متنقساً موازياً لعالم التمثيل الذي كرس له حياته.

وتكشف أحاديثه الإذاعية والتلفزيونية أنه لم يكن ممثلاً يتلقى الأدوار دون تأمُّلٍ ودراية، بل كان يقرأ السيناريو كاملاً قبل التصوير، متوقفاً عند كل تفصيلة إنسانية؛ حتى لاحظ النقاد أن قدرته على سرد مواقف حياته بدقة وتشويق أقرب إلى مخيلة الروائي منها إلى حكي ممثل عادي.

هذه الموهبة السردية دفعته إلى اقتحام عالم الكتابة السينمائية، فألّف قصص وسيناريوهات أفلام مثل «المغامر» و«الأم القاتلة» و«وعد» و«سجين أبو زعبل»، ووصل بتجربته إلى ذروتها في فيلم «المبروك»، الذي يعده النقاد أنضج أعماله الكتابية؛ وفيه جسد شخصية الدجال المحتال ببراعة استثنائية.

لم يقف شغف المليجي عند حدود السينما، بل كان معجباً بروائع الأدب العالمي، وسعى مع المخرج كمال عطية إلى تحويل مسرحيات شكسبير -التي أدى بعضها على خشبة المسرح مثل «عطيل» و«الملك لير» و«ماكبث»- إلى سلسلة أفلام سينمائية، غير أن المشروع لم يجد طريقه إلى النور لغياب التمويل والتنفيذ.

كما جسّد المليجي أعمالاً مقتبسة من كبار الكُتّاب العالميين، منها «الجريمة والعقاب» لدوستويفسكي، و«شرقي عدن» لجون شتاينبك التي تحولت إلى فيلم «زمن العجائب»، فضلاً عن تعاونه مع أدباء مصريين كبار مثل نجيب محفوظ في «بين السماء والأرض» و«الاختيار» و«أيوب»، وطه حسين في «الحب الضائع»، وإحسان عبد القدوس، وعبد الرحمن الشرقاوي في «الأرض» و«الشوارع الخلفية».

الفنان محمود المليجي برفقة زوجته

أما «غرفة المزاج»، فكانت ملاذه الخاص في شقته بشارع البرازيل بحي الزمالك؛ إذ اقتطع لنفسه ركناً هادئاً يقضي فيه ساعات طويلة بمفرده بين مجلدات الفكر والمعرفة، يقرأ السيناريوهات ويمارس هواية التأليف. وعن هذا الشغف قال يوماً: “الكتاب هو الذي يعطيني المفتاح النفسي للشخصية، وبدونه أكون مجرد أداة تردد الكلام”. وفي هذا المحراب، كان يستعد نفسياً لأدواره الأكثر قسوة؛ حيث اعتكف فيه قبل تصوير مشهد «غرفة الإعدام» في فيلم «المتهم» عام 1957، ليتلو دوره بصوت مرتجف قبل أن يخوض التجربة أمام الكاميرا.

ورغم ثراء تجربته الإنسانية والفنية، ظل المليجي يؤجل كتابة مذكراته الشخصية بقلمه، فرحل عام 1983 دون أن يُتم هذا المشروع، تاركاً وراءه إرثاً فنياً وأدبياً خالداً في الذاكرة الثقافية العربية.

 

عن هاني سمير

الكاتب هاني سمير كاتب وصحفي مصري، يركز مشروعه على تبسيط الأدب وتقريب التراث العربي للقارئ المعاصر. شق طريقه من خلال تجارب صحفية مهمة في جريدة "الشروق" ومنصة "أراجيك"، إلى جانب إسهاماته في منصات عربية وأجنبية متعددة مثل "إضاءات" و"رصيف 22". في رصيده الإبداعي مجموعة قصصية بعنوان "حياة قصيرة"، ويعمل حالياً على تعميق دراسته برواق العلوم الشرعية والعربية في الأزهر الشريف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *