حصة الموسيقى والأمن القومي (2)

تزامن تراجع كثير من مظاهر الحياة في “الجمهورية القديمة” مع اختفاء الفن والثقافة والرياضة من مدارسنا. لم تعد المدرسة كيانًا متكاملًا، بل مساحات متباعدة بلا روح مشتركة: لا حصة موسيقى، ولا نشاط مسرحي، ولا فرق فنية أو أدبية، وكأن التعليم اختُزل في مواد جافة تُلقّن ولا تُعاشالسبب الأعمق في ذلك هو النظرة إلى هذه المجالات بوصفها “ترفًا” يمكن الاستغناء عنه، لا مكوّنًا أساسيًا في بناء الإنسان. فتمّ إقصاؤها إلى الهامش، خارج وقت الدرس، خارج الأولويات. والنتيجة أجيال محدودة الخيال، بطيئة الحس، اعتادت القبح حتى صار مألوفًا، بل ومقبولًا

حصة الموسيقى قديما

 

ما نشهده اليوم في محيطنا من اضطرابات، من ليبيا إلى العراق، ومن اليمن إلى سوريا، وانتشار الجهل والتطرف، ليس بعيدًا عن هذا الفراغ، إنه نتيجة غياب ذلك “الأسمنت” الذي يربط طبقات المجتمع، ويصوغ هوية حقيقية جامعة

النشاط الفني، وعلى رأسه المسرح، ليس رفاهية. هو تدريب مبكر على العمل الجماعي، وعلى الإحساس بالإنجاز، وعلى توسيع المدارك. هو مساحة يتعلم فيها الطفل أن يرى العالم من زاوية الآخر، لا من زاويته وحدها

أما إذا كنا نسعى فعلًا نحو “جمهورية جديدة”، دولة مدنية حديثة، فإن البداية لا تكون بالشعارات، بل من داخل الفصول. من حيث نعلّم أبناءنا ما يجمعهم لا ما يفرقهم، ونفتح أمامهم أبواب الصوت والصورة واللون والمعرفة

فريق المسرح يكرّس عند النشء أصول العمل الجماعي، والإحساس بالإنجاز، ويوسّع المدارك والخيال عند التلاميذ

 

تبدأ الحكاية من حصة الموسيقى، ومن درس التربية البدنية بمعناه الشامل، لا كرياضة تنافسية فقط، ومن حصص الرسم التي تعيد للعين حساسيتها، وللروح قدرتها على التذوق. ومن المسرح، حيث يتشكل الوعي الجماعي، ويُبنى الخيال.

ثم تأتي الثقافة، عبر الكتب والعروض والمعارض، لتُكمل هذا البناء.

هذا هو خط الدفاع الأول ضد التطرف. وهذا هو الحصن الحقيقي للأجيال القادمة. فالمواطن الذي يفهم، ويتذوق، ويشعر، هو

المواطن القادر على حماية مجتمعه، لا بدافع الخوف، بل بدافع الانتماء

عن محمد صالح

موسيقي وكاتب ومترجم. تخرج من كونسيرفاتوار بطرسبورج الحكومي (روسيا) عام 1996، عمل بأوركسترا القاهرة السيمفوني – دار الأوبرا المصرية في الفترة من 2000-2017. يعمل محررا بالموقع العربي لقناة "روسيا اليوم" من 2017.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *