أحدث الحكايا

سوزان طه حسين..اللقاء الأول

سوزان ابنة الطبقة الفرنسية المتوسطة كانت قد قرأت إعلاناً عن مساعدة تقرأ لأعمى، ومنذ جاءت وطرقتْ الباب بصحبة والدتها فى الثانى عشر من شهر مايو 1915 بمدينة مونبلييه وطه يسجل دخولها حياته سطراً بسطر:

“فى هذا الوقت، وبين هاتين العاصفتين، طرق باب غرفتى، وكنت أنتظر أن يطرق، وكنت أخشى أن تحول العاصفة بينى وبين ما كنت أنتظر، ثم فُتح الباب، ودخلت منه فتاة تصحبها أمها، فسلمتُ فى استحياء، وسلمت فى استحياء، وأخذنا فيما كنا قد التقينا له من حديث، ولم يكن حديثنا طويلا ولا متبسطا ولا منوعا ولا طلقا، وإنما كان مقيدا أشد التقييد، كنت أول أجنبى تراه هذه الفتاة، وكانت أول فتاة تزورنى، فلم يكن سبيل إلى أن يسهل بيننا الحديث فضلا عن أن يختلف ويتنوع، ولكنه على كل حال كان حديثا له ما بعده، ملأ قلبى غبطة وبهجة وحبورا وأملا”.

 

سوزان وطه حسين

 

كان العميد بصيراً وهو يكتب السطر الأخير فقد امتلأت حياته بهجة وحبورا، وسيصبح صوت سوزان هو الدفء والونس والوعى وانطلاق الخيال وسيعرف الفتى طعم الحب مسموعا:

“.. لقد كنت أسمع صوتها وهى تقرأ أو تتحدث إلى، فأشغل بهذا الصوت عما كان يحمل إلى من الألفاظ، وعما كانت تدل عليه هذه الألفاظ من معان. ولو أن سائلا سألني في وقت من هذه الأوقات عما سمعت أو عما وعيت لما استطعت أن أجيب إلا بأني سمعت أجمل الموسيقى وأعذبها، ولو أن سائلا سألني عما وعيته من هذه الموسيقى الجميلة العذبة لما استطعت أن أجيب إلا بأني أحب مصدرها. ولكن أحداً لم يسألني، فلم أكن في حاجة إلى أن أجيب”.

وسوف تستمر تلك السعادة ليس فقط لصوت الموسيقى البديع الذى يسرى فى وجدانه، ولكن للعوالم الجديدة التى دخلها مع شهرزاد القرن العشرين، فبعد اللقاء الأول المرتبك ستأتى لقاءات تالية حيث تم تنظيم أوقات حضورها المسائى لتبدأ ليالى القراءة والونس بعد أن عاش ليال شديدة البؤس والكآبة منذ جاء باريس قادما من الأزهر، وبعد أن كافح طويلاً حتى تصرف له الجامعة بدل ملابس وسكن ومساعد، ها هو طه يُنظم الوقت وينتظر الليل وتأتى سوزان ويملأ صوتها وجدانه وعقله:

“كنا نقرأ من أدب وفلسفة وتاريخ وإنى لأكذب القارئ إن زعمت له أنى نمت في تلك الليلة نوما هادئا مريحا، وإني لأصدق القارئ إن أنبأته بأنى قد اتخذت هذا اليوم عيدا أحييه كل عام مهما تكن الظروف، ومهما تكن الخطوب”.

وعلى مدار شهرين من تاريخه اتصل اللقاء بين طه وسوزان، وظل الفتى يقاوم حبا بين الضلوع ووجدا وشوقا فى الأوصال لكنه لا يعرف إن كان هذا هو الحب أم مجرد واحة للعقل:

“.. ولم ينقض هذان الشهران حتى كان بين هذه الفتاة وبينى ود عقلى خالص، قوامه حب هذا الأدب الذى كنا نقرؤه والذى كانت تفسره لى وتدلنى على مواضع الحسن فيه..”

 

 

حتى يأتى الصيف وهناك فى فرنسا يصطاف الفرنسيون فى أعالى الجبال وسواحل البحر وكانت سوزان فرنسية بالطبع ولها إجازة تقضيها مع عائلتها، وسافرت سوزان، وسيضطر الفتى إلى الاستعانة بقارئة بديلة لحين عودة سوزان، ولن أستطيع أن أصف لك مشاعره وهو العميد، فانظر يا صديقى كيف أصبح حال طه:

“.. وبقيتُ أنا فى هذه المدينة أقرأ الأدب الفرنسى مع غير هذه الفتاة، ولكن لم أكن أسمع صوت قارئتى، وإنما كنت أسمع صوت هذه الفتاة، وكانت الكتب بيننا متصلة، فكثيرا ما كنت أستبقى بعض ما يعرض لى من المشكلات فيما أقرأ لأسألها عنه، وما كنت أجد الرضا إلا فيما كانت تجيبنى به”.

 

طه حسين ورفيقة حياته سوزان

 

 

سوزان طه حسين.. شهرزاد القرن العشرين

 

 

عن أشرف عبد الشافي

روائي وكاتب صحفي بمؤسسة الأهرام، له العديد من الكتب الأدبية والصحفية مثل: روايات (ودع هواك، أصابع حبيبتى، توأم الشعلة)، ومجموعة قصصية (منظر جانبى)، وكتب: (المثقفون وكرة القدم، صلاة الجمعة، البغاء الصحفى، فودكا، يا جميل يا اللى هنا، أن تحب فى العشرين).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *