منذ أن صاغ هوميروس ملحمته “الأوديسة”، استقر مفهوم الـ “Nostos” ـ أو رحلة العودة إلى الوطن ـ بوصفه أحد أعمق الرموز الإنسانية التي عبرت بحر إيجه لتتسلل إلى حارات القاهرة وحقول الريف المصري. فأوديسيوس الذي صارع الآلهة والأهوال عشر سنوات في طريق عودته إلى “إيثاكا”، لم يكن بطلًا يونانياً فحسب، بل نموذجاً إنسانياً تتكرر رحلته في الأدب والواقع.
مشهد يجسد وصول أوديسيوس
في عالم نجيب محفوظ، تتحول “إيثاكا” من جزيرة نائية إلى حارة شعبية، ومن ملاذ جغرافي إلى مرفأ وجداني. يظهر ذلك في “رحلة ابن فطومة” عبر رحلة “قنديل العنابي” المتنقل بين البلدان بحثاً عن المعنى قبل أن تنتهي رحلته بالعودة، وتتجلى في “الثلاثية” و”أولاد حارتنا” و”الحرافيش”؛ حيث يخوض الأبطال اغتراباً مكانياً وروحياً شاقاً قبل أن يعودوا إلى جذورهم التي صاغت وعيهم. وهو ما فسره الناقد غالي شكري في كتابه “المنتمي” بكون أبطال محفوظ يظلون أبداً في رحلة للبحث عن مرفأ روحي وأصل يلجؤون إليه فراراً من أعباء الوجود.
أما خيري شلبي، فقد منح الأسطورة بعداً أكثر واقعيةً والتصاقاً بالهامش، مستعرضاً الأوديسة اليومية للمهمشين والرحالة بين الريف والمدينة. يبرز ذلك في سيرة “ثلاثية الأمالي” الملحمية التي يعاني فيها البطل صراعاً متصلًا لتحقيق الذات والصعود الاجتماعي، وفي “وكالة عطية” حيث يواجه البطل طرده من المعهد واغترابه في عالم السفلة والمهمشين بسعي صلاد لإثبات وجوده. أبطال شلبي لا يطاردون المجد، بل ينقبون عن السكينة التي تعيد تعريف انتمائهم، تماماً كما فعل أوديسيوس.
تؤكد هذه الأعمال أن أوديسة الشارع المصري لم تكن نقلًا للرمز الإغريقي بقدر ما كانت إعادة صياغة لجوهر الرحلة الإنسانية؛ فالإنسان لا يكتمل نضوجه إلا عبر المكابدة والتجربة. وكما كانت “إيثاكا” حلم أوديسيوس البعيد، تظل الحارة ودروب الريف هي الـ “إيثاكا” المصرية التي ينشدها البطل ليبلغ طمأنينته الإنسانية وسكينته الروحية.
عن هاني سمير
الكاتب هاني سمير
كاتب وصحفي مصري، يركز مشروعه على تبسيط الأدب وتقريب التراث العربي للقارئ المعاصر. شق طريقه من خلال تجارب صحفية مهمة في جريدة "الشروق" ومنصة "أراجيك"، إلى جانب إسهاماته في منصات عربية وأجنبية متعددة مثل "إضاءات" و"رصيف 22".
في رصيده الإبداعي مجموعة قصصية بعنوان "حياة قصيرة"، ويعمل حالياً على تعميق دراسته برواق العلوم الشرعية والعربية في الأزهر الشريف.