لم يكن المستشرق الإنجليزي إدوارد وليم لين مجرد رحالة يسعى إلى مجد شخصي عبر تدوين تفاصيل الحياة اليومية في مصر، بل باحثاً شغوفاً سعى لفهم المجتمع المصري من الداخل؛ وحتى يذوب في نسيج هذا المجتمع، ارتدى زياً تركياً وسمى نفسه “منصور أفندي”، راصداً ملامح النهضة والتحديث المبكر على يد محمد علي باشا.
المستشرق الإنجليزي إدوارد وليم لين
تلك التجربة الاستثنائية تتبعتها مناقشة كتابه “عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم”، والتي نظمها “نادي السيرة للكتاب” ـ إحدى مبادرات منصة “سيرة القاهرة” ـ في متحف نجيب محفوظ؛ حيث استعرض مؤسس النادي والباحث عبد العظيم فهمي، رحلة “لين” الذي وفد إلى مصر عبر ثلاث زيارات ممتدة بين عامي 1825 و1849م. وأوضح فهمي أن “لين” وصل محاطاً بمشاعر متباينة، لكن حماسه الأكبر لرؤية الشرق وآثاره القديمة، من أهرامات ومعابد، والتعرف على طبائع أهل البلاد، كان المحرك الأبرز وراء تلك الرحلات الطويلة.
وكي يبلغ لين طموحه البحثي، عاش تفاصيل الحياة المصرية بكل تجلياتها اليومية؛ فسكن المقابر، وخالط العلماء، بل وتنكر ليتمكن من دخول مسجد الحسين، كما رصد بجرأة تفاعلات الشارع من مغازلة الرجال للنساء وغيرها. فلم يكن كغيره من المستشرقين الذين عاينوا مصر برفقة الحراس والبعثات الرسمية، بل عاش تفاصيل حياة البسطاء وانغمس فيها.
وتنبع أهمية الكتاب من توثيقه الدقيق للتحولات البنيوية التي شهدها المجتمع المصري مع بدايات عصر محمد علي؛ متناولاً تبدل العادات والملابس والعمارة، والبنية الطبقية. وقد كان ناقداً رصيناً يملك عيناً فاحصة لملامح التطور، مما جعل مؤلَّفه واحداً من أهم المراجع الكلاسيكية عن مصر في القرن التاسع عشر، ونال بسببه شهرة واسعة بوصفه “تحفة من السرد الأمين”.
وشهدت الندوة نقاشاً موسعاً بين الحضور حول قضايا وثقها لين، من بينها تشريح طبقات المجتمع، وأوضاع المرأة بين الشرائح الاجتماعية المختلفة، وصولاً إلى طبقة الحكام؛ مستشهدين بحكايات “محتسب القاهرة” مصطفى كاشف، الذي عُرف بشدته البالغة وعقوباته الصارمة لكل من يخالف قوانين السوق. كما توقف الحضور عند وصفه الدقيق لملامح المعمار، والأسواق، والطقوس الدينية، والاحتفالات الشعبية، والروابط الاجتماعية، وعلاقة المصريين بالأولياء والكرامات.
عبد العظيم فهمي متحدثًا مع الحضور عن لين في بداية رحلته إلى مصر
ولم تقتصر جهود “لين” الموسوعية على هذا الكتاب؛ إذ وضع مخطوطة ضخمة بعنوان “وصف مصر” حالت الأسباب المادية دون نشرها في حياته، حتى صدرت لاحقاً بالإنجليزية عن الجامعة الأمريكية بالقاهرة. كما تُرجمت على يديه روائع “ألف ليلة وليلة”، وعكف لنحو عشرين عاماً على إنجاز معجم لغوي ضخم (عربي – إنجليزي) معتمداً على كتاب “تاج العروس”، خرج في خمسة أجزاء كاملة.
“وصف مصر”
واختتمت الندوة بالتأكيد على أهمية قراءة كتب الرحالة والمستشرقين بعين متوازنة ونقدية؛ بوصفها مصادر تكميلية توثق أدق تفاصيل الحياة اليومية في فترات تاريخية متباينة، ولكن مع ضرورة إدراك ما تحمله من انطباعات ورؤى تعكس خلفيات وسياقات أصحابها، لتظل دليلاً على مسار التفاعل والحوار الحضاري بين الشرق والغرب.