في قلب مصر القديمة بالقاهرة، يربض “حصن بابليون” شاهداً على مجرى التاريخ؛ إذ شُيد على الضفة الشرقية للنيل بأمر من الإمبراطور الروماني “تراجان” في القرن الثاني الميلادي، قبل أن يُوسع ويُعزز في القرن الرابع بقرار من الإمبراطور “أركاديوس”.
تكمن أهمية الحصن في كونه سفيراً لطبقات تاريخية متعاقبة؛ فمع أن بدايته الأولى يعود تاريخها إلى سجنٍ للأسرى البابليين في عهد الملك “سنوسرت”، إلا أن ما تبقى منه ـ وفي مقدمته الباب القبلي المؤطر ببرجين ضخمين والمشيد من طوب محروق وأحجار معابد فرعونية ـ يظل برهاناً ساطعاً على قدرة العمارة المصرية على التكيف وإعادة الصياغة عبر العصور.
حصن بابليون
في أواخر القرن الرابع الميلادي، تعالت الكنيسة المعلقة فوق أحد البرجين الرومانيين بترفعٍ بلغ عشرة أمتار عن سطح الشارع، لتتزين واجهتها بزخارف نباتية ونقوش إنجيلية بديعة، بينما يحتضن صحنها الداخلي ثراءً معمارياً قبطياً تتجلى فيه الأعمدة ذات التيجان الكورنثية. ولاحقاً، أُقيمت كنيسة “مار جرجس” فوق البرج الآخر لتجمع بين طياتها روائع الفنون البيزنطية، بالتوازي مع تشييد نحو ست كنائس ودير والمعبد اليهودي والمتحف القبطي، مما جعل الحصن قلباً نابضاً للهوية القبطية.
الكنيسة المعلقة
ولم تقف الشواهد العمرانية عند هذا الحد؛ إذ شهد الحصن ميلاد مدينة الفسطاط مع الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي، واحتضن في جهته الشمالية جامع عمرو بن العاص ليغدو جزءاً أصيلاً من سياقه المعماري. لا تقتصر القيمة الأثرية لـ “بابليون” في كونه مجرد بناء صامد، بل في تحوله إلى نسيج حضاري متراكم وسجل معماري حي يروي حكاية مصر عبر الزمان.
عن هاني سمير
الكاتب هاني سمير
كاتب وصحفي مصري، يركز مشروعه على تبسيط الأدب وتقريب التراث العربي للقارئ المعاصر. شق طريقه من خلال تجارب صحفية مهمة في جريدة "الشروق" ومنصة "أراجيك"، إلى جانب إسهاماته في منصات عربية وأجنبية متعددة مثل "إضاءات" و"رصيف 22".
في رصيده الإبداعي مجموعة قصصية بعنوان "حياة قصيرة"، ويعمل حالياً على تعميق دراسته برواق العلوم الشرعية والعربية في الأزهر الشريف.