قصص الحب التي كانت الخطابات بطلتها فهي كثيرة، أذكر منها الخطابات التي كتبها فرانز كافكا إلى حبيبته التشيكية ميلينا يسينيسكايا، خلال ثلاثة أعوام بداية من عام 1920. تبدو خطابات ميلينا إليه وكأنها ما يمنحه سببًا للحياة والكتابة، بل هي الحياة ذاتها، وهي جوهر الكتابة (قضيت يومي أكتب قصة، كان الهدف بكتابتها أن أبقى على اتصال معك) (وصلت رسالتك،ووصلت البهجة معها) (في هذه اللحظة ما أود أن أقوله لك هو الآتي: لم يتسنَّ لي الوقت لأقرأ رسائلك بعد، فقد كنت أحوم حولها كما تفعل الحشرات حول الضوء،لأحرق رأسي عددًا من المرات).
تحمل الرسائل كل ما يشعر به كافكا، وما يفكر فيه، وما يعانيه في حياته ككاتب وكإنسان، لذلك فهي أصدق ما كتب، كتب بدون خجل التعري أمام أهم إنسانة في حياته، وربما كتب ليتطهر ويخفف ما يثقل روحه، لذلك انتشرت هذه الرسائل في العالم كله انتشارًا كبيرًا، ربما وجد فيها كل شخص ما يعبر عنه بشكل أو بآخر، وربما وجد فيها البعض تنفيسًا عما لا يستطيعون مواجهة الآخرين به، ولهذا نرى الكثيرين يتخذون مقتطفات من رسائل كافكا لتكون مطية لمشاعرهم إلى الآخرين، وحجابًا يقيهم رد الفعل إن لم يكن مرغوبًا.
لكنني أتفق مع الصديق د. أحمد السعيد أن الاستعمار الغربي الذي احتل معظم بلدانالعالم الثالث، خرج بجسده نتيجة حركات التحرر الوطني، لكنه ظل مسيطرًا علينابالاستعمار الثقافي والإعلامي حتى الآن، فلم نعد نرى إلا ما يراه لنا، لذلك علينا أن ننزعغطاء الثيران من فوق عيوننا لنعرف أن العالم مليء بما هو غير هذا الغرب، وربما أجملوأعمق. مثل قصة حب كاتب الصين الأهم “لوشون” التي حملتها خطابات بلغ عددها164 خطابًا إلى حبيبته “شوي جوانغ بينغ” التي كان يناديها في خطاباته بـ “القنفذالصغير” وتناديه بـ“الفيل الأبيض“، ثم تزوجا بعد ذلك.
يقول أحمد السعيد في مقاله المنشور بموقع شهرزاد تحت عنوان (رسائل الفيل إلىالقنفذ.. عميد الأدب الصيني عاشقًا) ” في نهاية الخطابات تزوج لوشون منها.. وكانتهي سببًا في حفظ تراثه المكتوب، ونشر أعماله تباعا بعد وفاته. أعماله التي كانت أيضًاسببًا في وفاتها، حيث بعد عشرين عامًا من وفاته سُرقت مسودة بخط يده من منزلها،فدخلت في أزمة قلبية من شدة الحزن عليها، وماتت وهي تبكيها“.
غلاف كتاب يوميات مجنون– مختارات قصصية لأديب الصين لوشون
أما في العالم العربي؛ فلا أظن أن خطابات أثارت ضجة مثل خطابات غسان كنفاني إلىغادة السمان. البعض ثار على غادة السمان واتهمها بالمتاجرة باسم الرجل وخطاباتهالخاصة إليها، وليس من حقها نشر تلك الخطابات، والبعض طلب منها أن تتحلىبالشجاعة لتنشر خطاباتها هي أيضًا إليه، والبعض رأى في نشر الخطابات والمذكراتالشخصية للكتاب الكبار؛ خصوصًا لو كانوا مناضلين مثل غسان كنفاني، إساءة لهم،وللقضية التي يحملون لواءها.
كنت وقتها أقرأ الصحف والمجلات وأتابع ما يكتب فيها، وأفكر أن غسان المبدع،المناضل، هو نفسه غسان العاشق، وربما كونه عاشقًا ليس دليل ضعف بل دليلإنسانية، إنه ليس قلمًا صارخًا، وليس آلة تمسك مدفعًا، بل هو بشر حقيقي، تحركهمشاعر نبيلة تجاه قضيته فيكتب، ويدفع حياته ثمنًا للقضية، لذلك هو ملئ بالمشاعرالمتدفقة التي لم تشوه صورته ولا تقلل منها في رأي الشاب الذي كنته، والعجوز الذيهو أنا الآن، بل ترفعه إلى مصاف العظماء النبلاء الحقيقيين غير المدعين المزيفين.
أما الأسئلة التي أفكر فيها الآن؛ فبعد أن نسى حتى جيلي العبارة الشهيرة “شكرًا لساعي البريد“، وهي العبارة التي لا تعرفها الأجيال الجديدة قطعًا، وربما معظمهم لا يعرفون من هو ساعي البريد هذا وأي بريد نقصد، فقد حلّ الإيميل ومواقع التواصل الاجتماعي محل الخطابات الورقية. لكني أجزم أن مشاعر الحب بما فيه من أحلام ملونة، وأوها مبراقة، وهيام واشتياق وعذاب وجفاء إلخ هي هي، فالإنسان الذي يحب لم يزل هو هو،وإن كنت أعتقد أيضًا أن تغير وسيط الرسالة بين المرسل والمستقبِل يغير في شكل الرسالة وأسلوبها، فمن كان يكتب خطابًا ورقيًا يعرف أنه سيصل إلى حبيبته بعد أيام أو أسابيع، ليس كمن يكتب لحبيبة تقف على الطرف الآخر من الخط (أون لاين) وستردفورًا، وستشعر بالملل من حبيبها إذا كتب أكثر من سطرين أو ثلاثة.
فكيف تغير شكل رسائل الحب، وأسلوب التعبير من خلالها، وأثر ذلك على المحبينأنفسهم، وهل يأتي يوم تنشر فيه حبيبة (باعتبار أن الأمثلة التي ذكرتها كلها كانتالحبيبة هي التي تنشر الخطابات/ وهذه ملاحظة يمكن أن تكون موضوعًا لدراسة) رسائل الحب الإلكترونية التي أرسلها حبيبها؟ وهل ستنشر رسائله فقط أم رسائلها أيضًا،وهل.. وهل..؟؟؟ من لديه أمثلة لرسائل حب إلكترونية نشر أصحابها قصتهم فليعرفنابها في التعليقات.
شهرزاد