عاد محمود باشا الفلكي من فرنسا في 18 أغسطس 1859م في عهد سعيد باشا، ونظرا لما حققه من إنجازات في المحافل الأوربية فقد تم انتخابه عضوا في المجمع العلمي المصري، كما انتخب وكيلا للجمعية الجغرافية المصرية ثم أصبح رئيسا لها، وقد أشرف على المرصد الفلكي بعد نقله من بولاق إلى العباسية (القاهرة)، كما قام برسم خريطة طبوغرافية للقطر المصري بتكليف من الحكومة المصرية وهي المهمة التي استغرقت عشر سنوات.

عمل محمود الفلكي وزيرًا للأشغال في وزارة محمود سامي البارودي باشا في عام 1882، ثم عين وكيلا لنظارة المعارف في وزارة شريف باشا من عام 1882 إلى عام 1884م وتوفي في عام 1885.
كان محمود باشا الفلكي واحدا من جنود النهضة الحديثة الذين فكروا مبكرا في العلوم البينية والإفادة منها فهو أول من ربط العلوم الفلكية بالعلوم الجغرافية كما استطاع خلق مجالات مهمة للاستفادة من مخرجات هذه العلوم.
وقد كان من أوائل من فكروا في الحساب العلمي الفلكي للشهور القمرية، فكان يحسب لرؤية الهلال فلكيا قبل العمل بها بأكثر من قرن ونصف، وهو الذي كلف عام 1860م بطلب من علماء أوروبا والخديوي سعيد برصد كسوف الشمس وتسجيله، وكانت منطقة الكسوف الكلى تبدأ من كاليفورنيا وتمتد حتى جنوب أفريقيا عبر المحيط الأطلسي، وقد اختار محمود الفلكي مديرية دنقلة في شمال السودان كموقع للرصد، واستطاع أن يرصد منها الكسوف وسجله في تقرير بعثه إلى أكاديمية العلوم بباريس التي أشادت به.

كتب محمود الفلكي بحثا بعنوان (في التنبؤ عن مقدار فيضان النيل قبل فيضانه) بعد أن جمع بيانات عن فيضان النيل من عام 1825 إلى عام 1864م، وقد أصبح بحثه هذا مرجعا أساسيا لتقديرات الري في مصر.
لم يكن محمود باشا الفلكي مجرد إداري في الحكومة بل تم انتخابه في المجلس العالمي الذي ألف في عهد وزارة شريف باشا، كما أنابته الحكومة المصرية للحضور ممثلا لها في المؤتمر الجغرافي الذي عقد في مدينة البندقية عام 1881م.
قام محمود الفلكي ببحث عن مدينة الإسكندرية وضع خلاله خرائط لمعالمها القديمة حيث نقب في حفائرها ليصبح أول مصري معاصر ينقب عن آثار الإسكندرية وموقع سورها القديم وقصورها ومتاحفها ومكتبتها القديمة، وقد كتب بحثه بالفرنسية، ويعتبر الفلكي بهذا أول عالم يضع أول دراسة علمية تعتمد على الربط بين المواقع الجغرافية والأثرية.
دفن بعد وفاته في مقابر الإمام الشافعي في مقبرة خاصة، وسمي باسمه ميدان وشارع في وسط القاهرة، ليظل الفلكي اسما باقيا في ذاكرة المصريين على الرغم من عدم معرفة كثيرين منهم بإنجازاته التي وضعت مصر في مصاف الدول المتقدمة في علمي الفلك والجغرافيا في القرن التاسع عشر.

شهرزاد