أحدث الحكايا

نجيب محفوظ وأمل دنقل.. الكتابة في مواجهة المرض والموت

في لحظةٍ ما، قد يتداعى الجسد ويخون صاحبه، لكن الموهبة تظل قادرة على مواجهة الوهن، باحثةً عن متنفس للإبداع وسط أشد اللحظات عتمة. من هذا المنظور تحديداً، يمكن قراءة التجربة الإنسانية للأديب نجيب محفوظ والشاعر أمل دنقل؛ اللذين وقفا وجهين لوجه أمام المرض والموت، ورفضا أن تكون الآلام خاتمة الحكاية، فواصلا الكتابة لينسجا من الوجع أدباً يتجاوز حدود الجسد والزمن.

في ديوانه الأخير «أوراق الغرفة 8»، دوّن أمل دنقل قصائده وهو يرقد بمعهد الأورام؛ فلم تكن المستشفى مجرد جدران وأجهزة علاجية، بل فضاءً ممتداً لمخيلته الشعرية، دفعه إلى تدوين تحولات جسده ووجعه اليومي كفعل مقاومة وبقاء. وظل يكتب حتى رحل في 21 مايو 1983، مخلداً نبرته الشفيفة:

«ضِدُّ مَنْ؟

ومَتَى القَلْبُ -في الخَفَقَانِ- اطْمَأَنْ؟»

 

 

أمّا نجيب محفوظ، فعقب نجاته من محاولة الاغتيال عام 1994، واجه تجربة قاسية أثرت على يده وقدرته على الإمساك بالقلم. ولأن الكتابة كانت جزءاً من خطته العلاجية، صاغ محفوظ «أحلام فترة النقاهة» في نصوص قصيرة ومكثفة تتجاور فيها الحكمة والقلق والذاكرة؛ متجاوزاً محنة الجسد عبر قالب أدبي جديد أقرب للومضات السردية.

 

 

بين التجربتين خيط رفيع بالغ الدلالة: الكتابة ليست ترفاً فكرياً، بل هي إثبات للوجود؛ فحين يضيق الجسد تتسع الموهبة، وحين يلوح الموت يتوهج الإبداع. لم يكتب «دنقل» و«محفوظ» عن الألم فحسب، بل جعلا منه مادة حية قادرة على البقاء والاستمرار حتى بعد أن يصمت الجسد.

 

 

 

عن هاني سمير

الكاتب هاني سمير كاتب وصحفي مصري، يركز مشروعه على تبسيط الأدب وتقريب التراث العربي للقارئ المعاصر. شق طريقه من خلال تجارب صحفية مهمة في جريدة "الشروق" ومنصة "أراجيك"، إلى جانب إسهاماته في منصات عربية وأجنبية متعددة مثل "إضاءات" و"رصيف 22". في رصيده الإبداعي مجموعة قصصية بعنوان "حياة قصيرة"، ويعمل حالياً على تعميق دراسته برواق العلوم الشرعية والعربية في الأزهر الشريف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *