أحدث الحكايا

شوكت المصري يحكي: أسطورة النقد البناء وأوهام الناقد التفصيل

في يومٍ من ذات الأيام كنا نجلسُ إلى أحد أساتذتنا الأجلاء وهو يحاضِرُنا في دبلوم الدراسات العليا، وفتحَ لنا مساحةً ليسألَ أيُّ واحدٍ منا ما يريد، وينتقد كما يشاء، فقالت إحدى الزميلات: “أنا دخلت الدبلوم ده وكنت فاكرة إنّي هأبقى ناقدة.. لكن حضرتك لحد دلوقتي ما قلتلناش نعمل إيه علشان نبقى نقّاد.. كل كلام حضرتك عن المناهج والإجراءات والنصوص والنظريات”..!

صمتَ أستاذنا قليلا والتفتَ حولَهُ فوجد فوق مكتبِهِ نسخةً من الأعمال الكاملة للشاعر أمل دنقل، فالتقطها بين يديه وفتح إحدى الصفحات، ثم قال لزميلتنا: “اِقرَئي بصوتٍ مرتفع”.. كانت قصيدة “سفر ألِف دال” من ديوان “العهد الآتي”.

أمل دنقل

سفر ألِف دال

قرأت الزميلةُ: “سِفر ألِف دال / الإصحاح الأول / القِطاراتُ ترحلُ فوق قضيبينِ: ما كانَ.. ما سيكُونْ”.. أمرها أستاذُنا بالتوقف، ثم سألها: “فهمتي إيه؟”.. صمتَتْ زميلَتُنا وهي تفكّر ثمَّ لَم تُجب، فسألها: “يعني إيه العهد الآتي؟!” فقالت: “حاجة جاية أو وعد قادم؟!”.. فسألها: “ما معنى ألِف دال، ولماذا لم يقل عين نون، أو واو كاف مثلا؟!” (كان ينتظر قولَها إنها الأحرف الأولى من اِسم “أمل دُنْقُل”) فأجابت: “ما اعرفش”..

ابتسم أستاذنا وقال لنا: “أنا صحيح ممكن أعلِّمكم المناهج والإجراءات.. لكن لا يمكن أبدًا أبدّل عيون عاجزة عن الشوف بعيون قادرة تشوف.. وفي النهاية النقد ده موهبة زيه زي الأدب بالضبط.. والناس قالوا زمان عين الناقد بصيرة”.

ديوان العهد الآتي

 

النقد البناء!

كثيرًا ما تُضحِكُني عبارة بعض نجوم السينما وضيوف القنوات الفضائية المختلفة ومذيعيها، حينما يتحدثون عن اعترافهم ومحبتهم وتقديرهم فقط للنقد “البناء” ورفضهم للنقد “الهدّام” بكل أشكالِه.. دعك عزيزي القارئ من خلط الكثيرين بين “النقد” و”النقض” فهذه كارثةٌ أخرى؛ فالفرق اللغوي واضحٌ لا يحتاج إلى شرح، إلا لو كان خللا ما قد أصاب ألسنتهم قبل آذانهم فلم يعودوا يفرقون بين “الضاد” و “الدال”.

لا يوجد نقدٌ بناء وآخر هدّام.. لنتفق على هذا، أو لا نتفق، سِيان.. فالحقيقة واضحة، يوجد “نقد” وما عداه (أي حاجة في رغيف)، فالنقد عِلْمٌ مستقر له أسُسُهُ وآلياتُهُ ومراحلُهُ وتطوُّرُهُ ومصطلحاتُهُ ومقولاتُهُ ونظرياتُهُ ومناهِجُهُ أيضًا، لكننا أصبحنا نعاني في “العِلْم” ما نعانيه في الحياة من اضطراب في المصطلحات والأفكار والمفاهيم والجهل، وأصبحت “حيطة العِلْم واطية”، وحلَّ محلّها الاستسهال والاضطراب والسطحية والفوضى، وهذه العبارة الأخيرة لا تدخل في باب النقد العلمي، وإنما هي مجرد رأي لا أكثر، وذلك لعدة أسباب ربما تستَنتِجُها عزيزي القارئ مما هو قادم.

الأصل

حينما كتب “قدامة بن جعفر البغدادي” (المتوفى في 337 هـ – 948 م) كتابَهُ “نقد الشعر” في نهايات القرن الثالث الهجري وبدايات القرن الرابع، كان يعلمُ تمامَ العلم أنه ينقل كلمةً من حقلها الدلالي الشائع إلى حقلٍ دلالِـيٍّ جديد، فـ”الناقد” آنذاك كان الرجل الذي يستطيع التمييز بين “الدرهم” الأصلي الجيِّد و”الدرهم” الرديء المغشوش، وبالتالي جاء الناقد ليقوم بالمهمة ذاتها، حيث التمييز بين العمل الرديء والعمل الجيِّد.

صورة متخيلة لقدامة بن جعفر

لكن الأمر لم يكن بهذه السهولة البادِيَة، فقد كان رصيدُ “قُدَامَة” ممن سبقوه في ممارسة النقد الانطباعي واللغوي زاخِرًا ومليئًا بالأخبار والمرويات، كما كان الأثر الأرسطي “نسبةً للفيلسوف اليوناني أرسطو” كبيرًا في تكوين وتوجيه العقلية العربية في مدارجها الأولى، وتحديدًا في القرن الثالث الهجري، ذلك القرن الذي عرفت فيه العلوم العربية المختلفة (بما فيها العلوم الشرعية) التحوّل نحو المنهجية والتبويب والاختصاص، بعد أن اعتمدت هذه العقلية العربية (في الأدب تحديدًا) على الذائقة الفردية الحرة غير المنتظمة في تعاملها مع النصوص لما يقرب من خمسة قرون أو يزيد.

قسّمَ “قدامَةُ بن جعفر”، الذي كان بارعًا في المنطق والحساب والفلسفة والفقه والبلاغة، كتابَهُ إلى ثلاثة أقسام تتضمن الموضوعات والمباحث، أما القسم الأول فتناول فيه قدامة حدَّ الشعر، وفصَّلَ القولَ في عناصره الأربعة (اللفظ والوزن والقافية والمعنى)، وأما القسم الثاني ففصَّلَ فيه وجوهَ الحُسن في المعاني الشعرية، وقال بأن جِماعَها سبعةُ أمور: التقسيم وصحة المقابلة وصحة التفسير، والتتميم، والمبالغة والتكافؤ (الطباق)، والالتفات. وأخيرًا كان القسم الثالث والذي فصَّل فيه عيوب المعاني، قائلاً بأنها تجتمع أساسًا في: فساد الأقسام، وفساد المقابلات، وفساد التفسير، والاستحالة، والتناقض، ومخالفة العرف، والإتيان بما ليس في العادة والطبع، ونسبة الشيء إلى ما ليس له.

أرسطو

 

كل ما سبق مرهونٌ بتجرُّدِ الناقد في إبرازه للمميزات أو تعديده لجوانب القصور من أية هوىً فردي أو أحكام مسبقة، وأن يجعل انتقادَه مؤسَّسًا على منهجية ومبررات وشواهد.

 

أصول

وقارئ الكتاب بإمعان (وهناك فرقٌ بين القراءة والاطّلاعِ، فالقراءَةُ أعلى درجات الفهم) يستطيعُ أن يخلص إلى عدة فوائد، أولها أن الثقافة الإنسانية مشتركٌ عام مشاع، لا انفصال فيه ولا حدود بين ثقافةٍ وأخرى، فكما أفادَ العرب المتقدمون من كتابات أرسطو وأفلاطون وسقراط، أفادت أوروبا في عصر النهضة من كتابات العرب والفرس، ثم أفادَ العربُ في نهضتهم من مؤلفات الغرب وعلومهم.

وثانيها أن النقد الأدبي والفنيّ بعامة له أسسه وإجراءاته وضوابطه التي يجب أن يتبناها الناقد في كتاباته ومواقفه.

وثالثها أن اقتصار الناقد على علوم تخصصه فحسب ستجعله محدودًا وعاجزًا عن الإلمام بمختلف سياقات العمل الفني أو الأدبي.

ورابعها أن الإحجام عن ذكر العيوب والمثالب التي يعانيها عملٌ فنيٌّ أو أدبي (مجاملةً لصاحبه أو مؤلِّفه) ستصيبُ عمل الناقد ووظيفته بالقصور والنقص. حتى ولو كان ذكرُ تلك العيوبُ والمثالب سيواجَهُ من المبدع بالهجوم على الناقد والغضب منه..

كتاب أرسطو طاليس في الشعر

التجرد

وكل ما سبق مرهونٌ بتجرُّدِ الناقد في إبرازه للمميزات أو تعديده لجوانب القصور من أية هوىً فردي أو أحكام مسبقة، وأن يجعل انتقادَه مؤسَّسًا على منهجية ومبررات وشواهد، وهذا لا يتأتى إلا إذا كان هذا الناقد ذا خبرةٍ قويّة ومعرفةٍ شاملة واطلاعٍ واسع وثقافةٍ متنوعة مكتملة.

لقد أصبحنا نعيشُ زمن الـ لا تخصص واللا منطق، فلا عجب إذًا إن وجدنا خلطًا وتداخلاً مضطربًا بين الدينِ والفن، أو بين العلم والدين، أو بين الفن والسياسة، أو بين العادات والتقاليد والقانون.. لنجد هذا يحاكِمُ الإبداعَ بمقياس الأخلاق ونظرة المجتمع، وآخر يحاكم النَّصَ بمدى معارضته لنظام حكم أو تأييده له، وثالث يقيس الفنَّ بمقدار المنفعة والضرر.. والأعجب أنها جميعًا قياسات متغيّرٍ بمتغيِّر آخر.

 

لا يوجد نقدٌ بناء وآخر هدّام.. يوجد “نقد” وفقط، فالنقد عِلْمٌ مستقر له أسُسُهُ وآلياتُهُ ومراحلُهُ وتطوُّرُهُ ومصطلحاتُهُ ومقولاتُهُ ونظرياتُهُ ومناهِجُهُ أيضًا، لكننا أصبحنا نعاني في “العِلْم” ما نعانيه في الحياة من اضطراب في المصطلحات والأفكار والمفاهيم والجهل.

 

لكن الدينَ ثابت!

ولعل قائلاً يقولُ “لكن الدينَ ثابت”، وهوَ قولٌ ظاهِرُهُ حقٌ يرادُ به باطل، حيث يجب التفريق بين سماوية وقدسية الدين، وأرضية وبشرية تطبيقِهِ، ناهيك عن اختلافات تفسيراته وتعدد تأويلاته؛ إذْ قَسَّمَ بعض العلماء والفلاسفة والعارفين الدين إلى قسماتٍ متنوعة، منها ما يتعلق بعلومه كـ”الشريعة والحقيقة والطريقة”، ومنها ما يتعلق بطبيعة ممارسَتِه كـ”الإسلام والإيمان والإحسان”، ومنها ما يتعلَّقُ بكينونته كـ”الشرائع والشعائر والمشاعر”.

وبالتالي فإن محاكمة الفن أو الأدب وقياسِهِ إلى مقولات الدين وأحكامه، تذرُّعًا بقوله تعالى “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”، على فهمٍ خاطئٍ للآية ومقاصدها، هو قمة الإخلال بطبيعة الفن والأدب وجماليَّاتِهما، وقمّة الإخلال بقيمة الدين وحقيقته.

وكذا هو الأمر في السياسة والمجتمع والعلم التطبيقي وسائر المجالات الأخرى التي يجب على متلقّي الأدب والفنون مراعاة الاختلافات القائمة ما بينها وبين الأدب والفنون خاصةً آن تناول نصٍّ أدبيٍّ أو عمل فنيٍّ بالنقد والدراسة والتحليل.

احتياج

وأخيرًا وليس آخرًا نحن نحتاجُ إلى النقد.. النقد الحقيقي الذي يتبنى المنهجية والمنطق دون تفصيلٍ بحسب مقاسات المبدعين، ودون خوفٍ من قلة وعي المتربّصين وإن زاد عددهم وعلا صوتهم.. فالنقد الحقيقي هو القادر على هديِ سفينتنا نحو برِّ النجاة الجميل.

عن شوكت المصري

شاعر وناقد أكاديمي، أستاذ مساعد النقد الأدبي الحديث بأكاديمية الفنون بالقاهرة ورئيس قسم النقد الأدبي بالمعهد العالي للنقد الفني بالإسكندرية، المدير التنفيذي لمعرض القاهرة الدولي للكتاب من ٢٠١٩ إلى ٢٠٢٢.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *